تركت هزيمة يونيو عام 1967 تأثيرها على السينما المصرية التي اتجهت خلال السنوات الثلاث التالية إلى نقد نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والهجوم على مؤسسات الدولة وإلقاء مسئولية الهزيمة عليها.

ولم يكن ذلك ليتم دون موافقة السلطة آنذاك، والتي سمحت ببعض الحرية في التناول بما يقتضي مع ظروف ومعطيات تلك المرحلة. وبحسب الدكتورة درية شرف الدين في كتاب «السياسة والسينما في مصر» شعرت الأجهزة السياسية والأمنية بخطورة غليان الشعب، وثورته الكامنة، فأظهرت بصيصاً من «الضوء الأخضر» لإمكانية الانتقاد والمساءلة، والتعرض لمحرمات سابقة في مجال الإبداعات الفنية، وكانت تلك الإشارة موجهة أيضاً للسينما.

تصريح مؤقت

تركت هزيمة يونيو عام 1967 تأثيرها على السينما المصرية التي اتجهت خلال السنوات الثلاث التالية إلى نقد نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والهجوم على مؤسسات الدولة وإلقاء مسئولية الهزيمة عليها. ولم يكن ذلك ليتم دون موافقة السلطة آنذاك، والتي سمحت ببعض الحرية في التناول بما يقتضي مع ظروف ومعطيات تلك المرحلة.

كانت النتيجة المنطقية هي عدم ظهور أفلام سينمائية تتناول الهزيمة العسكرية في يونيو 1967 ذاتها، ذلك أن الأفلام التي ظهرت في الأعوام الثلاثة المحصورة بين الهزيمة ورحيل عبدالناصر كانت بمثابة «تصريح مؤقت» من السلطة السياسية، خاصة من خلال النظرة الأمنية التي كانت ترى ضرورة السماح بنوع من التنفيس عن غضبة كامنة في الروح الوطنية المصرية، وذلك بسبب صدمتها المأساوية في قياداتها من جهة، ومن جهة أخرى بسبب هوانها وانكسارها بل وعجزها أمام عدو كان يوصف – من باب التهكم – بأنه «شرذمة» وبأنه «سوف يُلقى به في عرض البحر المتوسط» وتوصف محاربته بأنها مجرد «نزهة سريعة إلى تل أبيب».

ورغم ذلك بقيت الهزيمة العسكرية المصرية في يونيو 1967 في منأى عن تناول السينما تلك الفترة، فلم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من عمق الجرح القومي النازف حتى انتصار أكتوبر 1973، كما لم يكن النظام صانع هذا الجرح ليسمح بذلك.

إسقاطات على الحاضر

في هذا السياق اتخذت أفلام تلك المرحلة مسارين. شرح ناجي فوزي في كتاب «وقائع بوليسية في السينما. فك الاشتباك بين الأمن والإبداع» أن المسار الأول تمثل في الرجوع إلى الماضي القريب حيث عقود ما قبل الثورة من أجل الإسقاط على الحاضر، وبث إشارات مفادها التحذير من امتطاء رموز الماضي من أصحاب المصالح للثورة، والتأكيد على أن الحرية قد تنهار بالخوف والتردد في الإصلاح.

في هذا المسار ظهر فيلم «شيء من الخوف» عام 1969 من إخراج حسين كمال، حيث كشف العلاقة بين «الحرية» و«الخوف» الذي يصنع المستبد أو الديكتاتور وبمجرد انحسار هذا الخوف يتم التخلص من المستبد وأعوانه.

وينكر «السيد البلطي» الذي أخرجه توفيق صالح عام 1969، عدم قدرة الناس على الرهان على الجديد إذا كان هذا الجديد في صالح الحرية، بينما يؤكد «حكاية من بلدنا» من إخراج حلمي حليم عام 1969 على حتمية النضال لنيل الحرية، في الوقت الذي يبعث «يوميات نائب في الأرياف» إشارات متعددة إلى تزييف الديمقراطية بمعرفة رجال الأمن وفساد الإدارة الحكومية.

وحذر فيلم «رجل فقد ظله» من رموز الماضي التي كانت موجودة قبل الثورة، خاصة في سعيها للاستفادة من الثورة وذلك باصطناع التعايش معها، إلى حد ركوب موجتها.

وبينما تطرق «المتمردون» إلى أن الفساد من الممكن أن يجهض أهداف الثورة مهما كانت نبيلة، أشار «غروب وشروق» إلى فساد السلطات الحاكمة متمثلة في قيادات البوليس السياسي في فترة ما قبل يوليو 1952.

تناول مباشر

وفي المقابل اتخذت بعض الأفلام مساراً آخر أسقطت من خلاله على الحاضر من خلال أحداث الحاضر ذاته المعاصر لتلك الفترة، وكان من بين هذه الأفلام ما يدين القيادة التي تتردد في الإصلاح، ومنها ما يغامر بتقويم مرحلة ما بعد يوليو 1952، وغيرها يتجه إلى أزمات المثقف المصري.

في هذا الإطار جاء فيلم «القضية 68» الذي أكد أن التردد في الإصلاح الشامل يؤدي إلى انهيار الدولة، بينما غامر «ميرامار» بتقويم عهد الثورة وبيان المتسلقين والراكبين لموجتها على حساب مصالح الشعب.

ويطرح فيلم «الاختيار» مسألة أزمة المثقف المصري من خلال وجهة نظر واضحة تركز على «ازدواجيته»، لذلك يقدم الفيلم المثقف في شكل أديب يطرح مقولات وشعارات تفتح له أبواب المجد الأدبي والنجاح السياسي، بينما هو يعيش من داخله حية أخرى مختلفة وينتهي به الأمر إلى الجنون.

صدام مع الرقابة

ورغم هذا السماح المؤقت من السلطة بأفلام تنتقد الثورة إلا أن بعض الأعمال اصطدمت بالرقابة مثل فيلم «شيء من الخوف». وتروي أمل عريان فؤاد في كتاب «سلطة السينما.. سلطة الرقابة» أن الفيلم نجح في توصيل الصرخة ضد الخوف والقهر والظلم بما يحمله من إسقاطات على النظام السياسي آنذاك، وهذا ما فطن إليه جهاز الرقابة وكاد أن يؤدي إلى منعه لولا أن وصل الأمر إلى جمال عبد الناصر فشاهده، وأمر بعرضه دون إجراء أي تعديلات أو حذف بعد أن قال عباراته المشهورة «لو كنا كده نبقى نستاهل الحرق»، لتنتهي معركة الفيلم مع الرقابة ويُعرض كاملاً في عام 1969 رغم حساسية الموضوع الذي تناوله.

«ميرامار» الذي يرمي بمسئولية الهزيمة على الاتحاد الاشتراكي اصطدم بالرقابة أيضاً. وبعد محطات وصل الفيلم إلى عبد الناصر وشاهده ثم طلب من محمد أنور السادات الذي كان في ذلك الوقت رئيساً لمجلس الشعب مشاهدته مع عدد من المسئولين والموافقة عليه دون أية ملاحظات أو حذف، وفي هذا اليوم قال «النظام الذي يقع من فيلم أو مسرحية يبقى نظام خرب ومخوخ.. اتركوا الكُتاب والفنانين يعرضوا أعمالهم بحرية».




المصدر

*كتب «السينما والسياسة في مصر».الدكتورة درية شرف الدين.      *كتاب «وقائع بوليسية في السينما. فك الاشتباك بين الأمن والإبداع». ناجي فوزي.     *كتاب «سلطة السينما.. سلطة الرقابة». أمل عريان فؤاد.

0
0
0
1
0
0
0