قبل الفتح الإسلامي لمصر مرت تلك المنطقة التي عُرفت فيما بعد بـ«القاهرة» بمحطات تاريخية تركت تأثيراتها السياسية والاجتماعية على من سكنوها بعد ذلك.

كيف كانت القاهرة؟ ومن سكنها؟ وكيف كانت أهميتها؟ هذا ما أجاب عليه الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه «القاهرة. خططها وتطورها العمراني».

عواصم مصرية

تحتل القاهرة عند رأس الدلتا وفي نقطة التقائها بجنوب الوادي موقعاً فريداً حتّمته طبيعة الأرض المصرية، واستمرار حركة التاريخ. وكانت هذه المنطقة وظلت مع الزمن مركزاً عمرانياً ودينياً نشأت وتطورت فيه العديد من الشعائر المحلية المهمة، لذلك فإن العواصم المصرية ظلت تدور في هذا الموقع وتنتقل فيه من موضع إلى آخر (ممفيس – أون (عين شمس) – بابليون)، ولكنها لم تخرج عنه إلا في فترات عابرة وشاذة في التاريخ القومي.

ففي ضواحي القاهرة الحديثة استوطن المصري القديم في واحدة من أوائل المستوطنات في العالم قبل خمسة آلاف عام، عندما فرضت المملكة الجنوبية سيطرتها على المملكة الشمالية، ووحّدت مصر متخذة من مدينة «ممفيس» بالقرب من التقاء الوادي بالدلتا على الشاطئ الغربي للنيل أول عاصمة مصرية في التاريخ.

وترقد أطلال «ممفيس» على نحو 25 كيلومتراً جنوب القاهرة الحالية في مقابلتها على الضفة الغربية للنيل وعلى بعد نحو ثلاثة كيلومترات غرب النهر، وهي تطابق قريتي ميت رهينة، والبدرشين الحالية سفح هضبة سقارة.

وفي عصور متأخرة، عندما أصبحت مصر مجرد مستعمرة في مملكة اليونان، اغتصب ميناء الإسكندرية لقب المدينة الأولى من ممفيس وطيبة، وظل أشبه بجزيرة غريبة من الأرخبيل اليوناني نُقلت وأُلصقت بالساحل المصري سياسياً وبشرياً، بينما ظل استمرار استيطان المصريين بجانب ممفيس، مؤكداً أهمية موقعها الاستراتيجي، فعندما زار المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابو مصر في سنة 24 ق.م بعد سنوات قليلة من الغزو الروماني، وجد ممفيس مدينة مزدهرة مليئة بالسكان وتأتي في المرتبة الثانية بعد الإسكندرية.

وسهّل وجود ممفيس على الضفة الغربية للنيل اتصالها بالدلتا من ناحية، وبالوادي من ناحية أخرى، حيث يقع المعمور الزراعي في سواده الأعظم على ضفة النيل الغربية. وفي الوقت نفسه كان موقعها في غرب النيل يتفق مع الأفكار الدينية للمصريين القدماء.

رسم تخيلي لما كانت عيله الإسكندرية

عين شمس وبابليون

أما مدينة «أون» أو «هليوبوليس»، حيث الامتداد الشمالي للقاهرة الحالية، فهي أول مدينة تُقام على الضفة الشرقية للنيل في الموضع الذي عرفه العرب بـ«عين شمس»، وظلت بقايا هذه المدينة حتى قدمت جيوش الفتح العربي الإسلامي سنة 20 هـ/641م. ويُقام اليوم في ضاحية المطرية شمال القاهرة مسلة منعزلة هي كل ما تبقى من مدينة أون أو هليوبوليس القديمة.

وإلى الجنوب من مدينة هليوبوليس، وفي مواجهة ممفيس، كانت هناك مدينة ذات شأن في التاريخ القديم، ولكن المعلومات المتاحة عنها ترجع فقط إلى القرن السادس ق.م. فمدينة «بابليون» التي أسس العرب في الفضاء المجاور لها أول عاصمة لمصر الإسلامية، اختلف الجغرافيون القدماء والباحثون المحدثون في تحديد أصولها.

فتبعاً لديودور الصقلي (حوالي 80 – حوالي 30 ق.م) فإن متمردي الأسرى ذوي الأصول البابلية والكلدانية الذين أتُي بهم إلى مصر في زمن الأسرتين 18 و19 أسسوا على الضفة الشرقية مستعمرة محمية اتخذت اسمها «بابليون» من أصلهم البابلي.

اقرأ المزيد

سفاح الإسكندرية.. حكايات الحب والقتل والشذوذ لفتوات عروس البحر المتوسط

هل الإسكندرية حقاً هي مدينة السفاحين؟!.. إليك قصص ريا وسكينة وحسن قناوي ومحمود سليمان ومحمد عبد العزيز وأحمد علي حسن أشهر سفاحي المدينة الجميلة.

أما يوحنا النقيوسي، وهو مؤرخ قبطي عاش في القرن السابع الميلادي، فيشير إلى أن هذا التجمع السكاني القائم في ناحية بابليون نشأ في القرن السادس ق.م في زمن الغزو الفارسي لمصر تحت قيادة نبوخذ نصر، وهو الرأي الذي أخذ به مؤرخ مصر المقريزي.

ولكن الرواية الثابتة التي يمكننا الاعتماد عليها هي أن أحد الفيالق الرومانية الثلاثة المكلفة بحماية مصر عسكر قرب هذا الموقع في الأراضي المرتفعة التي تشرف على ممفيس عبر النهر، كما تشرف في الوقت نفسه على بابليون، ولما أراد الإمبراطور تراجان أن يعزز قلعته عند رأس الدلتا ترك هذا الحصن القديم، وأنشأ حصناً جديداً على شاطئ النيل مباشرة ليسهل على حاميته الاتصال بسائر جهات القُطر المصري وهو الذي عُرف بـ«قصر الشمع» والذي يحتفظ إلى اليوم ببعض آثاره.

حصن بابليون

تقلبات تاريخية

وشهدت هذه المنطقة تقلبات بالغة الأهمية مع بداية ظهور وانتشار المسيحية، وما تزال بعض هذه التقلبات باقية حتى الآن متمثلة في عدد من الكنائس المقامة فوق الحصن، ككنيسة أبي سرجة، وكنيسة الست بربارة، والكنيسة المعلقة.

وكانت أطلال هذه المنشآت دون شك ذات تأثير كبير على اختيار المسلمين لموقع الفسطاط التي جاء تأسيسها على أطلال هذا الموقع نوعاً من الاستمرارية، ولكن إعمارها تم في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة، وإن احتفظ الفاتحون ببعض التقاليد التي كانت سائدة قبل الإسلام، حيث ظلت مصر الفرعونية موجودة دائماً في خلفية المظاهر الاجتماعية الاحتفالية للمصريين.

اقرأ المزيد

الأدباتي والحكواتي والأرغول.. هذه الفنون ولدت في مقاهي القاهرة القديمة

لم تكن المقاهي قديماً مجرد مكان لتناول المشروبات أو تدخين الشيشة فقط، وإنما كانت أيضاً رحماً خرجت منه ألوان متعددة من الفنون التي لاقت إقبال المصريين وإعجابهم.


المصدر

كتاب «القاهرة. خططها وتطورها العمراني». أيمن فؤاد سيد.

2
0
0
0
0
0
0