«زحمة يا دنيا زحمة.. زحمة وتاهوا الحبايب.. زحمة ولا عاد في رحمة.. مولد وصاحبة غايب».. في السبعينات انطلق صوت «عدوية» الجلل في الشوارع والميادين، معربًا عن الزحام الذي بدا يلتهم الحياة، وبعد أكثر من أربعة عقود توغل الزحام في حياتنا أكثر بكثير.

التفاصيل التي تزاحم الحياة وتقضي على متعتها، نسعى وراء اقتناء المزيد منها ونكدس يومنا بالأغراض دون جدوى، دائرة مغلقة تأخذ من أعمارنا، وأصبحت تلك «الكراكيب» تشكل عائقا إلى أن ظهر الحل في مفهوم الـ «minimalism».. فهل سمعت عنه؟.

 « المينيماليزم » هو مفهوم يعني البساطة أو التقليل من الأشياء المزعجة التي تسبب الزحام دون فائدة، فهو يتبنى نظرية الأقل هو الأكثر، والذي انتهجها ملايين من الأشخاص حول العالم، تجربة جديدة مفادها التخلي عن الكماليات والزيادات التي تلتهم الوقت وتجعلنا أسرى لها.

يتبنى أصحاب تلك النظرية نهجين الأول الشق المادي، وهو التخلي عن أشياء في المنزل غير مفيدة لتوفير الوقت لأشياء أهم، بدلًا من إضاعة الوقت في الترتيب والتنظيف ومعاناة الاختيار بين هذا وذاك، والشق الآخر هو المعنوي، والذي يفيد التخلص المعنوي من سيطرة الماديات وإيجاد معاني أخرى في الحياة.

تجربة ملهمة للكثير بدأت من قارة آسيا الشقيقة حيث دولة اليابان، انتهجها الكثير حول العالم، البعض فشل في تحقيقها وآخرون نجحوا في التخلص من الزحام وتغير مسار حياتهم.. في السطور القادمة نعرض بعض القصص والتجارب مع الـ minimalism


 

الدنيا كلها «كراكيب»

ضاقت «نهى» بالملابس المنتشرة في أرجاء المنزل، في الخزانة وفي الشماعات وراء الأبواب وفي الغسيل، تنفق الكثير من الوقت بين غسل الملابس ونشرها وتطبيقها وكيها، أم لثلاثة فتيات لديهن الكثير من الملابس ما اشترته لهن وما كان هبة لتلك الفراشات منذ الولادة ،عندما علمت بنوع الجنين في حملها الأول بدأت في شراء الملابس لتلك الصغيرة التي تنتظر رؤيتها بلهفة.

لم تكفي تلك الخزانة الصغيرة التي خصصتها لمايا بداخل خزانتها، ففكرت في شراء دولاب ليكون لها خصيصًا، تكررت نفس الأشياء عند ولاده ميار وماهينور،«مكنتش بحب ألبس واحدة هدوم أختها بالرغم ان حالتها كويسة.. كنت بشوف ان حقها أجيبلها هدوم جديدة.. أنا أخدت قرار الخلفة فلازم أدي كل واحد حقه» رغبتها في عدم اقتناص أحد حقه جعلتها تعيش بين تلال من الملابس، إلى أن بدأ الأمر يؤرقها.

دخلت على الانترنت تبحث في محركات البحث عن حل يناسبها، ربما طريقة للتنظيم أو ترتيب المنزل «مكنتش عارفة بدور على إيه بظبط» إلى أن عثرت على مفهوم «المينيماليزم» قرأ الكثير من القصص والتجارب عن أشخاص اتبعوا ذلك المنهج وقاموا بتطبيقه على مختلف مناحي الحياة، استوعبت الفكرة وشرعت في تطبيقها بما يتناسب مع احتياجاتها، الملابس كانت الخطوة الأولي في رحلة نهى نحو البساطة.


 

استشارت ميار الأبنة الكبرى وصاحبة العشر سنوات والتي تفهمت الفكرة وساعدتها في تطبيقها، قامت بفرز الملابس ووضع الغير ضروري والزائد عن الحاجة في حقائب «في البداية مليت شنطة والشنطة بقت اتنين وتلاته» لم تعد تشعر بضيق عند التخلص من حاجاتها كما كان الأمر في البداية، تصدقت بالفائض عن الحاجة والنتيجة كانت خزانة متراصة ومنزل أكثر تنظيمًا.

من الملابس إلى المطبخ أخذت تصنف الأغراض وجدوى كل الأواني وأهميتها في الاستخدام، اكتشفت أن هناك المزيد من الأغراض التي تملئ الأرفف ولا تستخدم، ومن المطبخ صوب غرفة المعيشة ومنها إلى المكتبة المكتظة بالكتب التي ملت قرأتها والتي تود شراء غيرها، استغرقت تلك العملية شهور وربما عام كامل حتى استطاعت نهى التخلص من الزائد عن حاجتها وتقليل عدد الأغراض بالمنزل مما كلفهما عناء أقل في تنظيف وترتيب المنزل.

«أحمد» و«سيرين»..الزواج على الطريقة الحديثة

قررت سيرين إخبار أحمد بعدم رغبتها في إقامة حفل زواج كبير فقط الاكتفاء بعقد القران والخروج في نزهة نيلية، وافق أحمد ولكن الأهل رفضوا ذلك الحديث معللين «إحنا عايزين نفرح بيكو»، بحسبة الورقة والقلم لازال العروسان في حاجة لمئتي ألف جنية لإتمام الزيجة فضلًا عن أموال الفرح، ذلك ما جعل الطبيبة الشابة إطلاق تلك الدعوة «الزواج على الطريقة الحديثة».


 

جروب على موقع التواصل الاجتماعي وضعت فيه رفيقها والأهل، وقامت بعرض بعض القصص والتجارب التي تخلى فيها العروسان عن مظاهر الترف، بداية من التخلي عن أغراض المطبخ والأواني الغير ضرورية، مرورًا بالأثاث البسيط والفرح البسيط، بعد محاولات مضنية من سيرين وأحمد استطاعا الزواج على الطريقة الحديثة.

ثلاث سنوات مرت على تلك الزيجة دون أن تشعر بأن ينقصها شيئًا، في البداية كان عشهما لا يضم سوى غرفة نوم ومننضدة بكرسيين، وكنبة متعدة الأغراض وكرسي فوتيه ومكتبة تضم شاشة التلفاز، والقليل من أغراض المطبخ اللازمة وتلاجه وبتوجاز وغسالة، استغنت عن النيش والسفرة وغرفة الأطفال، والكثير من أدوات المطبخ، والصالون، فقط قامت بإقتناء الأشياء الضرورية واللازمة لها فقط.

البساطة والمساحات الفارغة في المنزل التي تسمح للهواء التنقل بحرية في جنبات المنزل المكسب الأكبر التى جنته سيرين من قرارها والذي جعلها تتبنى ذلك المنهج في كافة شؤون حياتها.


 

 كيف تتبع نظام «المينيماليزم»

إعادة النظر في الأولويات والضروريات

حتي يتبنى الشخص البساطة في الحياة عليه أولًا مراجعة أولوياته وأي الأشياء ضرورية للحياة وأيها كماليات وترف ووجودها لا يفرق في استمرار الحياة.

التخلي عن الشراهة في الشراء

الشراء يسبب متعة للأشخاص عادة ولكن إذا فكرت في تبني البساطة كمنهج للحياة عليك تغير تلك العادات الاستهلاكية التي تجعلنا نفرط في الشراء ونتسبب في الزحام سواء المادي،أو المعنوي حيث التفكير في كماليات غير ضرورية.

 التخلص من الزوائد تدريجيًا

يمكن التخلص من الأشاء الغير ضرورية بالتدريج، لأنه إذا قمت بالتخلص منها دفعة واحدة قد تصاب بالإكتئاب.

عدم التفكير في النواقص

التفكير في النواقص يجعل الشخص دائمًا يبحث عن الجديد ولا يشعر بالرضى بما يمتلكه، ويجعله يعيش طيلة حياته محاولًا إقتناء المزيد من الأغراض ظنًا منه أن السعادة تكمن في الإمتلاك.



2
1
0
0
0
0
0