في الفيلم العربي «يانا يا خالتي» يتنكر «تيمور / محمد هندي» في هيئة امرأة عجوز خبيرة بالجن والعفاريت، وفي نهاية الفيلم ينجح في علاج شخص (ملبوس) وإخراج الجن منه أمام ملايين المشاهدين على الهواء.

يصدق الناس ويصفقون للمرأة المباركة، لكن «تيمور» يخلع شعره المستعار أمام الكاميرا ويعترف أنه مدبر هذه الخدعة كلها، كي يثبت للناس أن الدجل والنصب سهل جدًا طالما أتقن النصاب عمله واستغل جهل الجمهور وكأنه المثل الشهير «ليس كل ما يلمع ذهبًا».

في عالمنا الحقيقي أكثر من واقعة شبيهة بما حدث في الفيلم، يبتكر أحد الأذكياء خدعة متقنة ويكشف للعالم فجأة حقيقتها كي يعطي الجمهور درسًا لا ينساه. إليك بعض الخدع في هذا التقرير.

قصة عالمية مزيفة.. في أكبر مقلب أدبي

أحمد رجب صاحب الخدعة

اشتهر الكاتب الصحفي الراحل أحمد رجب بسخريته الشديدة ومهاجمة كل الصيحات التي لا تعجبه، وفي عام 1963 قرر أحمد رجب أن يوجه ضربة قاسية إلى المسرحيات المعقدة المنتشرة وقتها باسم «مسرح اللا معقول» والتي تزعم اشتمالها على معاني وإسقاطات لا يفهمها إلا العباقرة.

كان الكاتب الساخر لا يرى في هذه المسرحيات إلا التقعر والتحذلق فقط ولذا خطرت له فكرة سهلة، سيؤلف مسرحية كاملة «لا معقولة» كي تبدو من هذا النوع، وفي أقل من ساعة ونصف الساعة كتب نصًا بلا أي تفكير أو اهتمام، مجرد كلام عائم لا رأس له من ذيل.

اختار الكاتب للقصة اسم «الهواء الأسود» على سبيل العمق والمعاني الخفية، وحين عرض ما كتبه على زوجته جاء ردها «انت بتسكر من ورايا يا راجل؟ إيه الكلام الفاضي ده؟» وهكذا تأكد أحمد رجب أنه نجح وأن المسرحية «لا معقولة» فعلاً.

بقية الخطة كانت بنشر المسرحية في مجلة الكواكب على أنها نص نادر للكاتب السويسري الكبير «فريدريك دورينمات» الذي لم يكن معروفًا في مصر وقتها، وهنا كانت المفاجأة أو «الفضيحة الثقافية» حين أكدّ أربعة من كبار النقاد على روعة هذه القصة العظيمة!

أحمد رجب

وصفها الصحفي رجاء النقاش بأنها تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر، أما الممثل والناقد سعد أردش فقال إنها قصة عالمية، وتوالت الآراء التي تمجد في قصة «الهواء الأسود» إلى أن أعلن صاحبها الأصلي الحقيقة قائلاً:

«شكرًا لهؤلاء النقاد على مدحي، طبعًا هذا شرف عظيم أن يجمعوا على أنني مؤلف مسرحي خطير فعلاً رغم أني لم أكتب للمسرح أي إنتاج حتى الآن، ولهذا أضع اسمي بكل فخر إلى جوار الخواجات بيكيت ويونسكو وأوزبورن ومن له اعتراض على النقاد فليتقدم».

لم يقتنع النقاد الأربعة بهذه النتيجة، وقال رجاء النقاش إن هذه فضيحة لمجلة الكواكب وليست فضيحة للنقاد، أما سعد أردش فقد أصرّ على أن المسرحية جيدة ومتأثرة بالمسرحيات العالمية.

وكان لا بد من تعليق المثقفين وقتها على هذا الموقف، فقال طه حسين أن عقدة الخواجة هي التي جعلت النقاد يعتبرون المسرحية رائعة لمجرد أن مؤلفها سويسري، بينما غضب العقاد وطالب بمحاكمة النقاد الذين زيفوا الذوق العام، أما إحسان عبد القدوس فتمنى لو يبقى النقاد على رأيهم ويعتبروا أحمد رجب كاتبًا عالميًا بالفعل!  

لوحة فنية بلا مثيل = فضيحة ثقافية بجلاجل

لوحة من الفن التجريدي

صحفي مصري آخر اسمه «صلاح محفوظ» اشتهر بحبه للمغامرات والتحقيقات المميزة، فكتب أشهر خبطاته الصحفية في عام 2002 أثناء عمله بجريدة «الصدى» الإماراتية ونشرها بعنوان «فضيحة ثقافية بجلاجل».

نفّذ الصحفي خطته عن طريق خطة شبيهة بما فعله أحمد رجب ولكن في جانب الفن التشكيلي هذه المرة، خاصة النوع التجريدي الممتلئ بالشخبطات غير المفهومة، لكنه لم يرسم اللوحة بنفسه، بل عهد بهذه المهمة إلى أحد قرود «الشمبانزي» الذي سيرسم الشخبطة أفضل من أي فنان.

الصحفي مع القرد صاحب اللوحة

ترك صلاح محفوظ القرد يلهو بالألوان ويلعب كما يشاء، ثم حمل لوحته الأعجوبة إلى ثلاثة نقاد وفنانة تشكيلية وصحفية وطبيب نفسي ووعدهم بمكافأة كبيرة لقراءتهم السليمة لهذه اللوحة التي تدعى «أمريكا والعالم»، والحقيقة أنهم لم يقصروا في مدح اللوحة.  

قال أحد النقاد عن اللوحة «للوهلة الأولى لا يستطيع المرء إلا أن يقف مكتوياً بحرائق اللون وبراءة اندفاعاته أمام تجربة تشكيلية جديدة ومتمردة وباذخة في رؤياها، تبحث عن إطار تعبيري مختلف، لوحة هذا الفنان تتقدم إلى متلقيها مسكونة بحرية فائقة وخطيرة، تأخذنا إلى تخوم التجربة المطلقة إن صح التعبير».

أما الطبيب النفسي فقال «قلة المساحات البيضاء باللوحة تشير الى أمرين، أولهما أن هذا الفنان يزدحم عقله بثقافات مختلفة وكثرة إطلاع، والثاني أنه متشائم بدرجة كبيرة، لأنه قلص مساحة الأصل التي يشير اليها اللون الأبيض».

وهكذا نشر الصحفي تحقيقه على صفحات جريدة «الصدى» ليحقق جدلاً ونجاحًا منقطع النظير وصارت لوحة القرد حديث الساعة، حتى قيل إن أحد الذين وقعوا في الفخ دخل المصحة من الصدمة.

حين سألوا صاحب الخدعة صلاح محفوظ عن الذي دفعه لهذا التحقيق، أجاب بأنه استاء من هجوم الثقافة الغربية كالفن التجريدي على الفنون العربية والإسلامية، وأشار الصحفي إلى تعرضه للتهديدات والقتل نتيجة هذه المغامرة.

أبحاث علمية «فشنك»!

3 علماء خدعوا الجميع بأبحاث وهمية

الأبحاث العلمية لا تنشر بسهولة في الخارج، بل لا بد من مرورها على دوريات علمية معتمدة حتى تفحصها وتدقق فيها، ثم تنشرها الدورية في صحيفتها المعروفة للجمهور.

هنا يقرر ثلاثة باحثين ماكرين أن يختبروا هذه الدوريات وأسس تقييمها للأبحاث العلمية، والأمر لم يستغرق منهم سوى سنة واحدة لكتابة 20 بحثًا علميًا في مواضيع مهمة في أمريكا مثل علم الاجتماع ودراسات الحرية الجنسية للمثليين، ختامًا بأبحاث الدهون والتخسيس.

لم يهتم الباحثين الثلاثة بأي دقة علمية فيما كتبوا، لكنهم حرصوا بشدة على إضافة المصطلحات الرنانة التي توحي بقيمة العمل، كانت النتيجة إعلان صحيفة «وول ستريت» الدولية أن سبعة من الأبحاث الزائفة اجتازت الاختبار، وسبعة آخرين في مرحلة المراجعة، أما الستة الباقين فقد رُفضوا!

أثارت هذه الفضيحة الأوساط العلمية المعنية بمجالات البحث، وعلقت مجلة «The Atlantic» الأمريكية على الأمر بأن المعايير الأكاديمية لا ينبغي الثقة بها، كما أن بعض العلوم عديمة القيمة بالفعل، حتى من يسمون أنفسهم (خبراء) قد لا يفقهون شيئًا!



المصدر

*شارع المتنبي : كتابات في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمكان.. عبد الستار ناصر * *الملك والكتابة !: قصة الصحافة والسلطة في مصر 1950 - 1999.. محمد توفيق *ثورة التحرير تضحك.. سمير الجمل 

0
0
0
0
0
0
0