كلماتهن لا تغيب عن الذاكرة، هدهدات الأم وقت النوم، والطبطبة الحنونة على ظهر الصغار، وأغاني الجدة في الضحى والعصر، كلها أهازيج فرح حلوة، سجلتها الذاكرة الشعبية، ورصدتها موسوعات الأدب الشعبي، وانتقلت من جيل إلى جيل، ولكل جنس من الأطفال أغانيهم، فأغاني الذكور غير الإناث، وأغاني الولادة غير السبوع والفطام.

كانت أغاني المناسبات المتعلقة بالصغار، مثل أغاني ختان الذكور، في الأرياف خاصة، أو أغاني السبوع كأغنية «حلقاتك برجالاتك» هي الأكثر شهرة، والأكثر ترديدًا في حفلات السبوع التي تنشر البهجة بين الصغار، وتؤديها الجدة ويردد خلفها الأطفال وتبدأ بـ«حلقاتك برجلاتك حلقة، دهب في وداناتك، ويارب يا ربنا تكبر وتبقي زينا «.

وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن «حلقاتك» تعني الحلقة، وهي كلمة مصرية قديمة أصلها «هلكا»، وحرفت إلى القبطية فصارت «حلق»، وتعني بالعربية القرط، وهي الحلقة المستديرة التي توضع في الأذن أما «تك» فهي أداة ملكية بمعنى «بتاعتك».

أما برجلاتك فهي مكونة من «برج» بمعنى «أفرد»، و«لات» بمعنى «ساق»، و«تك» أداة الملكية، لأن الفراعنة كانوا يتفاءلون به ويقولون للطفل «أفرد رجلك».

وتقول كلمات الأغنية:

حلقاتك برجالاتك

يارب ياربنا

تكبر وتبقى قدنا

حلقاتك برجالاتك

يوم ورا يوم تكبر شنباتك

تتجوز على قد حالاتك

حلقاتك برجالاتك

 

أغنية الحياة

بعد السبوع تدخل الأغنيات مرحلة أخرى بنمو عمر الطفل، في فترات الرضاعة، والخوف عليه من الموت، حتى أن الجدات كن يطلقن أسامٍ وهمية على أحفادهن، خوفا عليهن من الموت، لكن تقليد غريب كان يظهر في الشهور الأولى للطفل، توثقه أغنية، «يا أبو الريش، إن شالله تعيش».

وتكبر لامَّك

وتبقى عريس

يابو الريش، إن شالله تعيش

وإن عشت لبكره

هاتُبقى عريس

في كتابه «الموسوعة المصرية لأغنيات الطفل» لمؤلفه مسعود شومان، الصادر عن مكتبة الأسرة، يقول عن هذا النص إنه جزء من طقس شعبي قديم، يركب فيه الطفل الذي يُخشى موته، أو مات أشقاؤه، فوق حصان أو حمار ووجهه في الاتجاه العكسي، ويوضع فوق رأسه إكليل من ريش الطيور، ويُزف باتجاه المكان الذي سيوشم فيه. والوشم يكون عادةً دقٌّ أخضر في جبهته أو فوق صدغيه. والجدة، التي مات لها «ثلاثة بطون» قبلًا، كانت تحفظ هذه الأغنية جيدًا.

أغاني الشوارع

لا تقتصر الأغنية في الموروث الشعبي المصري على حجر الجدات، لكنها تمتد للعب مع الصغار في تراب الشوارع، والدوران في حلقات دائرية، ليردد الجميع «واحد اتنين سرجي مرجي»:

واحد اتنين سَرجي مَرجي، انتا حكيم ولَّا تُمَرجي

أنا حكيم الصحيَّة، العيَّان أدِّيله حقنة، والمسكين أدِّيله لُقمة

بدِّي أزورك يا نبي، ياللي بلادك بعيدة

فيها أحمد وحَميدة، حَميدة جابت ولد، سمته عبد الصمد

مشِّته ع المشَّاية، خطفت راسه الحدَّاية

حد يا حد يا بوز القِرد، انتا ولد ولا بنت؟

أنا ولد ولابس طربوش.

 

قصة هذه الأغنية كما يقول الناقد أحمد مجاهد في كتابه «خارج السياق»، أن السَّرجي هو السركي، وهي مهنة أدخلها الشراكسة إلى مصر لتسجيل بيانات العاملين في المزارع، ووفقا للرواية كان العمال يقفون في طابور طويل أمام الإقطاعي الشركسي الذي يقول للخولي: «واحد اتنين»، فيرد عليه الخولي: «سَرجي»، أي تم تسجيلهما في السركي، فيشير له برأسه بالموافقة، فيقول الخولي للعمال على نفس الوزن: «مَرجي»، أي ادخلوا إلى المزرعة للعمل.

واستعمل المصريون بعد هذا عبارة «واحد اتنين سَرجي مَرجي» للسخرية من الطوابير الطويلة التي يسجلون فيها بياناتهم، ثم تلقَّفها فقراء الأطفال المسيحيين وأصبحوا يقولونها وهم يأخذون معونات صحية واجتماعية من أدوية وملابس من الكنائس، حين يقفون في طوابير تسجيل طويلة أيضًا.

تربط الصغار بالتراث

وفي السياق، تقول الباحثة يسرية مصطفى، وهي متخصصة في الجمع الميداني لأغاني التراث من الخمسينيات حتى السبعينيات، في دراستها، وفقا لما نقله موقع منشور، إن أغاني الطفل تساعد على ارتباط الصغار بالتراث، إذ تحمل في طياتها أفكارًا ومعاني ومعتقدات المجتمع الذي أبدعها ووضع فيها مشاعره وطريقة تعامله مع الصغار، واحترام الكبار، وإيثار الترابط العائلي.

أغاني صعيدية

ورصدت الموسوعة الشعبية لأغنيات الأطفال لمؤلفها مسعود شومان، عدد من الأغاني القديمة أيضا مثل:

البيت قال ابوكي

للفَقْري ما نِدُّوكي

نِدُّوكي لواحد فَضْيان

يجيب العدَّه على الجمَال

ويشرح الكتاب بعض معاني بعض الكلمات موضحا أن معني كلمة الفقري، أي الفقير، وكلمة ما نِدُّوكي، أي لن نزوجك، وكلمة فضيان، تعني الغني، والعدّه، هي جهاز العروس.

وتبين الموسوعة أن جامع هذه الكلمات هو عبد الباسط عبده حسان، وأن مكان الجمع من الرزيقات بحري، وهي قرية تابعة لمدينة أرمنت، بمحافظة قنا.

أغاني المدرسة

من أكثر الأغاني التي زخرت بها البيئة الشعبية لتحبيب الصغار في الاستيقاظ مبكرا للمدارس، كانت أغنية «مدرستي بتفتح بدري»:

مدرستى بتفتح بدرى

آخذ أدواتي وأجرى

أجرى من تحت الكوبري

يا ناس سيبوني

هتعطلونى

أغاني الحارة

واشتهرت الحارة المصرية بأغاني مبهجة كانت دوما نصيب الفتيات، كأغنية:

 فتَّحي يا وردة

فتَّحي يا وردة

قفِّلي يا وردة

هنا وردة (تصفيق)

وهنا وردة (تصفيق)

هنا فيونكة

وهنا فيونكة

هنا حتِّة سكرة

وهنا شمعة منورة

 

مطربون غنوا للأطفال

لم يتوقف الأمر عند التراث الشعبي، فحرص عدد كبير من نجوم الطرب العربي على تقديم أغنيات خاصة بالأطفال، أبرزهم، محمد فوزي في أغنيته الرائعة «ماما زمانها جاية»، و«فيروز» في فيلم «بنت الحارس» التي غنت فيه أيضًا، أغنية «تك تك يا أم سليمان»، وأيضًا غنت هدى سلطان أغنية «نام يا حبيبي نام».

وكانت الفنانة «شادية» من أبرز من غنوا للأطفال، بداية من أغنية «سيد الحبايب»، وأغنية السبوع الشهيرة «حلقاتك برجالاتك»، وأغنية «اسم الله عليك»، وأيضا حمادة هلال، ونانسي عجرم وغيرهم.



0
0
0
0
0
0
0