في ٧ يناير ١٩٠٥، استيقظت حارة المبيضة بحي السيدة زينب في القاهرة، على صرخة استثنائية، لطفل من طراز مميز، تركي الأصول مصري الهوى والهوية، ومن هذا الحي الشعبي استلهم بعد سنوات يحيى حقي، رائعته «قنديل أم هاشم»، ليعتلي بأعماله عرش القصة القصيرة، والرواية المطولة.

في حياة يحيى حقي، الذي نشأ في أسرة ميسورة الحال، وحصل على تعليم جيد، حيث درس في معهد الحقوق بالقاهرة، وكان تخرجه فيه عام 1925، محطات كثيرة مليئة بالمواقف الملهمة، التي يمكن أن يستفيد منها جيل الشباب، فقد كان دائما يفضل أن يعمل ما يحب حتى لو كره الناس.

يحيى حقي: «في بعض الأحيان ننهب أعمارنا نهبا، ونلهب ظهرها بالسوط حتى تجري مسرعة.. لا لشيء إلا رغبة منا في نسيان جرح.. فتكون خسارتنا للعمر أشد»

النجاح يأتي بعد الفشل

في بداية تعليمه لم يكن يحيى حقي من الطلاب النابغين خصوصا في المراحل التعليمية حتى أنه رسب في السنة الأولى من التحاقه بالمدرسة لكنه نجح في الحصول على الشهادة الابتدائية 1917، لينتهِ به الحال في المدرسة الخديوية التي حصل منها على شهادة البكالوريا، وكان ترتيبه الأربعين من بين الخمسين الأوائل في القُطر المصري كله.

اعمل ما تحب

في أحد مقالاته يقول يحيى حقي: «في بعض الأحيان ننهب أعمارنا نهبا، ونلهب ظهرها بالسوط حتى تجري مسرعة.. لا لشيء إلا رغبة منا في نسيان جرح.. فتكون خسارتنا للعمر أشد» كانت هذه المقولة حاكمة في مشوار «حقي»، حتى أنه حاول الاستفادة من كل ما حوله وترك المهن التي لا يحبها مرات طمعا في التفرغ للأدب.

بعد التخرج في كلية الحقوق عين صاحب رواية «البوسطجي»، في النيابة العامة، وبعد انقضاء فترة التمرين بمكتب نيابة الخليفة في شارع نور الظلام ـ في مبنى المحكمة الشرعيةـ انتقل للعمل كوكيل للنائب العام في الصعيد، وهناك تعرّف على المجتمع المصري عن قرب، واستلهم حكايته، لكنه لم يعجبه العمل.

ويصف أديب الشعب هذه الفترة من حياته قائلا: «كنت صبي وكيل النيابة»، لذا قرر التخلي عن عمله كوكيل عمومي، وقر العمل بالمحاماة؛ ولما فشل سافر إلى الإسكندرية ليعمل في أول الأمر عند زكي عريبي، المحامي اليهودي المشهور وقتذاك بمرتب شهري قدره 6 جنيهات، لم يقبض منها شيئًا، ثم انتقل إلى مكتب محام مصري بمرتب قدره 8 جنيهات شهريًا، وسرعان ما هجر الإسكندرية إلى البحيرة ليعمل فيها بمرتب شهري قدره 12 جنيهًا، وقد سمح له هذا العمل بالتنقل بين مراكز مديرية البحيرة.

لم يعمل «حقي» بالمحاماة أكثر من 8 أشهر؛ لأن القلق على مستقبله بدأ يساوره؛ بعدما تعرّض للنصب من قبل بعض سماسرة المحامين، فتوسط له أحد أفراد أسرته لدى بعض رجال الدولة حتى نجح في العمل كمعاون إدارة في منفلوط، وهي وظيفة أقل شأنا من وكيل النيابة، وهو ما جعله يترك هذه الوظيفة أيضا بعد فترة، لكراهيته لها، إلا أن ذلك كان سببا في بروز نجمه ككاتب.

القناعة

عاش يحيى حقي حياته قانعا ولم يحاول التسلق للوصول لمبتغاه رغم كثرة علاقات أسرته، حتى أنه يقول: «عجبت للإنسان يوصي غيره بالقناعة، ولا يقنع هو» كما أنه كان كريما مع معارفه وسجل ذلك في مقولته: «هذه هي الحياة، خذها كما تأتي، إياك أن تظلم أو تؤذي أحدا، وإياك أن يرهقك الجود وإن اتهمك الناس بالسفه أو الغفلة والضعف».

وكان يحيى حقي من مشجعي إعمال العقل ومحاربي الخرافة وظهر ذلك جليا في كثير من أعماله، كما هو الحال في «قنديل أم هاشم» التي حارب من خلالها الخرافة بالعلم، وتغلب على ما يعتقد فيه الناس، من خلال بطل الرواية «إسماعيل» الذي يحاول أن يفيد أهل منطقته بعلمه الذي تعلمه خارج مصر.

التمسك بالمبدأ

عاش «حقي» رافضا لما انتهجه عدد من المبدعين الذين ربطوا بين الإنتاج الفكري المبدع وبين غياب العقل، أو تناول المكيفات، وكان دائما يردد أنه لا يعترف بأي إنتاج أدبي فني ناتج من سكر أو خمر لأنه أعلي من قيمة العقل والذي لا يجوز العبث به أو المساس به، وظل متمسكا بهذا المبدأ طوال حياته، ولم يعرف عنه أنه كان يتردد على حانات تقدم هذا النوع من المشروبات.

السعي 

بعدما ترك يحيى حقي عمله مرات حاول أن يجد فرصة مناسبة بنفسه، حتي قرأ مصادفة إعلانا من وزارة الخارجية عن مسابقة لأمناء المحفوظات في القنصليات، والمفوضيات؛ فتقدم لهذه المسابقة ونجح فيها، وعين أمينا لمحفوظات القنصلية المصرية في مدينة جدة عام 1929، وتدرج في العمل الدبلوماسي بين جدة وإسطنبول ورما وباريس، حتى رقي بعد 10 سنوات من العمل لدرجة سكرتير أول حيث شغل منصب مدير مكتب وزير الخارجية، وظل يشغله حتى عام 1949.

التخلي من أجل الحب

كالعادة لم يبق يحيى حقي على وظيفته المرموقة، وفي عام 1954 أُقِيلَ من العمل الدبلوماسي بعدما تزوج من أجنبية وهي رسَّامة فرنسية تدعي جان ميري جيهو، وعاد إلى مصر ليستقر بها؛ فعين مديرًا عامًا لمصلحة التجارة الداخلية بوزارة التجارة؛ ثم أنشئت مصلحة الفنون سنة 1955 فكان أول وآخر مدير لها.

رغم المشوار الطويل الذي قطعه يحي حقي متنقلا بين الوظائف المختلفة إلا أنه لم ينل حظه من الدنيا إلا فيما يحب، حيث حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب في يناير عام 1969؛ كما منحته الحكومة الفرنسية عام 1983، وسام الفارس من الطبقة الأولى، ومنحته جامعة المنيا عام 1983 الدكتوراه الفخرية؛ اعترافا من الجامعة بريادته وقيمته الفنية الكبيرة.

وكان حقي واحدًا ممن حصلوا على جائزة الملك فيصل العالمية ـ فرع الأدب العربي ـ لكونه رائدًا من رواد القصة العربية الحديثة، عام 1990، ليرحل نهائيا في 9 ديسمبر 1992، مخلفا ميراثا ضخما من الإبداعي الأدبي.



0
0
0
0
0
0
0