حكى المؤرخ «ابن إياس» عن رجل بنى مسجدًا من مواد بناء مسروقة من البيوت والمساجد الأخرى، وهنا أطلق عليه المصريين «المسجد الحرام» لأن مبني من الحرام بخلاف المسجد الحرام المعروف في مكة المكرمة.

هنا يصف المؤرخ الشهير شعبه قائلاً «إن المصريين طويلو الألسنة كثيروا التندر» في إشارة لكثرة الشتائم عند المصريين وتنوعها وسخريتهم من كل شيء. كل شتيمة عند المصريين لها معنى مختلف وقصة تسببت في ظهورها. في هذا التقرير من «شبابيك» تتعرف على أبرز حكايات الشتائم.

ابن الرفضي.. بين الشيعة والسُنّة

في مشهد شهير من فيلم «ابن حميدو» بين رياض القصبجي وإسماعيل يس، يصف الأول الثاني قائلاً «يا رفضي يا ابن الرفضي» كأنها شتيمة كبيرة يوجهها رجل البوليس لمتهم خطير.

يعود أصل كلمة «رفضي» إلى الحكم الفاطمي لمصر، وهي في الأساس «رافضي» من الرفض والإنكار، ويعود أصلها  لفترة حُكم الفاطميين المنتمين للشيعة الباطنية لمصر التي كانت تنتمي للمذهب السني.

يعتبر المصريون، كل شيعي هو «رافضي» لأنه يرفض خلافة أبي بكر وعمر وعثمان من بعد النبي (ص) وهكذا صاروا يشتمون الشيعة قائلين «يا رافضي» وظلت الشتيمة متداولة لألف سنة كدليل على رفض إهانة الصحابة.

ابن القحبة.. طعن في الشرف

في الجاهلية قبل الإسلام، كانت المرأة الزانية ينتظرها الزبائن حتى تتجهز وتأذن بالدخول، ولم تكن إشارتهم لها سوى «القحاب» أي السُعال والنحنحة، ولهذا أصبحت كلمة «قحبة» في عُرف العرب تدل على الزانية، أما انتقال الكلمة إلى مصر فله قصة أخرى.

حين انطلق عمرو بن العاص بجيشه إلى مصر ليفتحها، استقر ومعه 4 آلاف جندي في بلبيس بمحافظة الشرقية، لتنتقل الكلمة منهم إلى الفلاحين وتبقى حتى اليوم للشتيمة، فيقول أهلها «دي مرة قحبة» طعنًا في شرف امرأة معينة.

بعدها انتقل الجيش إلى القاهرة التي حولت الشتيمة إلى «ابن القحبة» كزيادة في الطعن، خاصة أن العاصمة اشتهرت بشوارع الدعارة فيما بعد وافتخرت فيها العاهرات بمظهرهن في الطرقات كما يحكي الرحالة الإنجليزي «جوزيف بتس» عن رحلته إلى مصر.

ابن ناس.. شتيمة أصبحت مدحًا

حين يقول المصريون اليوم عن شخص ما أنه «ابن ناس» فهم يقصدون الاحترام والتبجيل، وأن هؤلاء «الناس» أهل هذا الشخص الشخص أغنياء أو فضلاء، لكن الحقيقة لم تكن كذلك حين انتشرت الكلمة في مصر.

البداية كانت من صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ نظام «الإقطاع العسكري» في دولته، فأعطى الأرض لجنوده وقادته وحاشيته، ثم جاء المماليك وزادوا في الإقطاع وتوزيع الثروات مثل الجزية والخراج على الجنود.

لم يستغل المماليك هذه الهبة بالشكل الصحيح، لأنهم لا يعرفون الفلاحة والزراعة، بل انشغلوا عنها بالصراع على السلطة وأهملوا الشعب والأراضي، فانتشر الظلام والطبقية في عصرهم.

صارت أول طبقة في المجتمع المملوكي للأمراء والأسياد تليها طبقة أبناء الأمراء ثم التجار الأغنياء وأخيرًا الشعب الفقير من الحرفيين والباعة، ولأن المماليك في الأصل مجموعة من العبيد مجهولي النسب فقد أطلق عليهم الشعب «ولاد الناس» لأنهم لا يعرفون لهم نسبًا.

كلمة «ابن ناس» كانت مساوية في الأصل لكلمة «بيئة» حاليًا، فقد أراد المصريون وقتها أن يصفوا المماليك بأنهم مجرد غوغاء أولاد غوغاء وليسوا ملوكًا أو زعماء.

الأتامة.. من الفض والفتق

كلمة «أتم» تعني الشخص الذي ينشر السماجة، فهي مساوية لكلمة «قفيل» حاليًا لكن الأصل في «الأتامة» أن صاحبها دائم الاكتئاب والحزن فيجعل الناس تهرب منه، ومنه جاءت كلمة «المأتم» الذي يشير للحزن عامة.

أصل كلمة «أتم» في المعجم أنها «الفتق» أو «الفض» لفرج المرأة عند مواقعتها جنسيًا، فقيل إن «المرأة الأتوم» هي صغيرة الفرج التي يتلقي مسلكاها عند الافتضاض، وهكذا صار الأتم يسبب «فض» الناس من حوله.

بين مصر وباقي الدول

قد تختلف الكلمة بين بلد وآخر، فتصبح شتيمة شنيعة في دولة ما، وتعتبر مدحًا راقيًا في دولة أخرى، مثل هذه الكلمات:

  • فحل: في مصر هو الرجل القوي أو القادر جنسيًا، أما في سلطنة عُمان فهو العضو الذكري نفسه.

  • فص: يُقال في مصر أن الخاتم له فص، أي قطعة من حجر كريم، لكنها في بعض البلاد العربية تعني إخراج صوت من المؤخرة.

  • طاح: حين نقول «طاح فيه» فنقصد صرخ فيه أو هاجمه، لكن نفس الكلمة في فلسطين تعني «جامع أهله».

  • انتصاب: تشتهر الكلمة في مصر بالإشارة إلى انتصاب العضو الذكري للجماع، لكن الكلمة في تونس توضع في الشوارع لأن «ممنوع انتصاب السيارات» تعني ممنوع وقوفها.

  • لبؤة: في مصر هي أنثى الأسد التي تشير صراحة إلى العُهر، لكنها في كل بلاد العرب تُستخدم لمدح النساء.

  • زميل: هو الصديق والرفيق في العمل، ونقول أن فلان «زامل» الآخر أي صار زميله، لكن المغاربة حين يقولون «زامِل» فهم يقصدون الشاذ جنسيًا.



المصدر

*قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية.. أحمد أمين     *قاموس الشتائم المصرية: أصول وحكايات الشتائم.. عمرو المنشاوي

0
0
1
0
0
0
0