أغلب الجمهور لا يعرف عن المافيا إلا الصورة المستوحاة من الأفلام السينمائية، فهم الرجال الأشدّاء المحترفين في إطلاق الرصاص وتنفيذ العمليات الإجرامية، لكن القصة أقدم من هذا بكثير.

في جزيرة صقلية الإيطالية، انطلق أول تنظيم يحصل على لقب «مافيا» منذ أكثر من سبعة قرون، ولكن ما معنى هذا المصطلح؟ ولماذا نشأت المافيا واستمرت حتى الآن؟

المافيا.. لمواجهة اغتصاب الدولة

في عام 1882 احتل الفرنسيون جزيرة صقلية وحكموها بالنار والدم، فانتشر الفقر والعذاب بين السكان الأصليين، حتى كانت الشرارة التي أشعلت الثورة في نفوس الشعب.

يحكي زعيم المافيا الشهير «جوبونانو» عن اختطاف أحد الفرنسيين لفتاة إيطالية في ليلة زفافها ثم اغتصابها، فراح أهل الجزيرة الغاضبين يقتلون الفرنسيين بعشوائية في هذا اليوم انتقامًا لشرفهم، ومن هنا بدأت الفكرة.

هنا بدأ التشكيل المنظم على قدر كبير من السرية والتعقيد لمقاومة المحتل، وبالفعل نجحت الحركة وأتعبت الحكام لوقت طويل حتى عام 1860 عندما استقلت صقلية وانضمت للدولة الإيطالية، وبالتالي لم يعد للمافيا ضرورة للوجود.

ما أصل كلمة مافيا؟

هناك عدة تفسيرات لغوية لكلمة مافيا، منها ما يعود لقصة الفتاة المختطفة حين صرخت أمها قائلة بالإيطالية «Ma Fia، Ma Fia» والتي تعني «ابنتي ابنتي» واستخدم الثوار الصيحة نفسها فيما بعد.

التفسير الثاني والأشهر أن المنظمة السرية اتخذت لنفسها اسمًا طويلاً هو «Morte Alla Francia italli Anelia» وهي تعني «الموت للفرنسيين» والتفسير الأخير الذي يقدمه قاموس التراث الأمريكي أن الكلمة إيطالية وتعني «الشجاعة والإقدام».

عودة المافيا بالعكس

لم تتوقف المافيا في صقلية برحيل المحتل، وبدلاً من ترك ذكرى جميلة عند السكان بأعمال المقاومة، أكملت المافيا أعمالها بالهجوم على الأبرياء، حتى صار لها نفوذًا وقوة اقتصادية عظيمة.

كانت العصابات تستخدم أسلوب «الحماية الجبرية» وفيه يسببون المشاكل للمواطنين لإقناعهم بضرورة حمايتهم، أي أنهم يصنعون الخطر الذي رحل كي يبقوا في الصورة.

شملت أعمالهم تهريب المخدرات وغسيل الأموال واستمر الوضع بهذا الشكل حتى القرن العشرين، فقد وجد زعماء المافيا في أمريكا أرضًا مناسبة لخططهم الإجرامية.

العصر الذهبي للمافيا

ولدت حركة المافيا الأمريكية ببطء في أحياء الإيطاليين هناك باسم حركي هو «اليد السوداء» وتابعت أعمالها التقليدية حتى جاءت اللحظة الفارقة في تاريخها، عندما أقرت أمريكا قانون تحريم الخمور بداية العشرينات، لتعيش المافيا أزهى عصورها بالتجارة في هذه المشروبات الممنوعة.

ازدهرت تجارة الخمور بشدة في هذه الفترة، وظهر فيها الإيطالي «آل كابوني» الذي يُعتبر أشهر رجال المافيا لجهوده في توحيد العصابات وتنفيذ معاهدة باسم «أتلانتا سيتي» عام 1929 التي تعتبر دستورًا للمجرمين في الولايات المتحدة كلها.

خصص «آل كابوني» قانونًا صارمًا لرشوة رجال الشرطة، فكان يجعل من كل دولار خمسة وسبعون سنتًا لرشوة المخبرين، وهكذا يضمن السيطرة على منافسيه، لكن الوحيد الذي لم يستطع رشوته كان الشرطي الشريف «إليوت نس».

اشتعلت المنافسة بين زعيم المافيا ورجل الشرطة، ولم يستطع «إليوت نس» إثبات أي جريمة كبرى من جرائم الزعيم التي شملت القتل والتهريب، والتهمة الوحيدة التي تمكن من إمساكها عليه كانت «التهرب من الضرائب» وبها استطاع إنهاء أسطورة «آل كابوني» والزج به في السجن.

قوانين المافيا

كي تتمكن المافيا من الاستمرار والبقاء، اخترعوا القوانين الصارمة الشبيهة بالمؤسسات العسكرية، منها ما يوحي بالشرف والتعاون أو الطاعة العمياء، وهذه القوانين كالتالي:

  • التآخي: على عضو المافيا أن يساعد زميله بكل طريقة ممكنة

  • الطاعة: على عضو المافيا طاعة قادته دون مناقشة

  • الثأر: على عضو المافيا أن ينتقم من كل عدوان يقع على إخوانه

  • الصمت: على عضو المافيا عدم اللجوء لأي شرطة أو جهة أمنية

  • السرية: على عضو المافيا ألا يعترف بوجود العصابة مهما تعرض للتعذيب

​​​​​​​المافيا ورؤساء الدول

​​​​​​​حاول الزعيم الإيطالي «بنيتو موسوليني» القضاء تمامًا على المافيا في دولته، لأن سياسته الفاشية ترفض أي شكل من الخروج عن طاعة الحاكم، وكادت خططه العنيفة تنجح بالفعل لولا خسارته في الحرب العالمية الثانية التي خاضها مع النازي أدولف هتلر.

كانت للرئيس الأمريكي «فرانكلين روزفلت» تجربة مختلفة مع المافيا، فقد احتاج إلى حماية قوات الجيش الأمريكي في جزيرة صقلية، ولهذا لم يجد الرئيس وسيلة إلا الاتصال بالمافيا الأمريكية عنده حتى يتوسطوا لأقاربهم في صقلية.

طلبت المافيا من الرئيس 25 مليون دولار مقابل التنفيذ، لكنهم التزموا بكلمتهم لدرجة أن أهل صقلية استقبلوا الجيش الأمريكي في جزيرتهم بالأعلام والترحيب كأنه مهرجان شعبي.

نسخ أخرى 

للمافيا نسخ أخرى في أغلب دول العالم، تتخذ نفس شكل الجريمة المنظمة، وأشهرها عصابات «الياكوزا» في اليابان التي نشأت في القرن السابع عشر كمقاومة شعبية قبل أن تتحول هي الأخرى للشكل الإجرامي بعد ذلك بقرنين.



المصدر

*مافيا اقتصاد الظل وبنوك أو شور.. رمزي محمود، محمد رمزي *مجلة الفيصل عدد 164 عن كتاب اسرار وخفايا المافيا: رحلة مع ملوك القتل والدعارة.. دأيمن أبو الروس *عرض لا تستطيع رفضه.. فانتازيا د.أحمد خالد توفيق

0
0
0
0
0
0
0