خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفد إلى السودان عدد غير قليل من الرحالة الأوروبيين، الذين طافوا في أنحائه واختلطوا بأهله ودونوا مشاهداتهم في عدد من المؤلفات، وكان أبرزهم الرحالة السويسري جون لويس بوركهارد.

قبائل الشايقية والمماليك

بتكليف من الجمعية الإفريقية بلندن، بدأ بوركهارد رحلته إلى الشرق عام 1809، فسافر إلى عدة بلدان عربية حتى وصل النوبة والسودان (1813 – 1814)، وهناك كشف عن حقيقة الأوضاع السياسية في الفترة التي سبقت مجيء حملة إسماعيل بن محمد علي لضمها إلى الإدارة المصرية (1820 – 1821)،  ودون مشاهداته في كتابه «رحلات في النوبة».

جذبت قبائل الشايقية (تقع إلى الشمال من سنار) انتباه بوركهارد. ذكر أن نزعتها القتالية وقوتها العسكرية كانت وراء اتساع سطوتهم في بلاد النوبة وخارجها في أقاليم السودان الأخرى المجاورة، فهم خيالة مهرة كما هو شأن المماليك في مصر، يميلون إلى القتال وهم في حرب دائمة بينهم، إذ يتكونون من عدد من القبائل، كما أنهم يقومون بغارات النهب والسلب التي تمتد أحياناً إلى دارفور غرباً ووادي حلفا شمالاً.

وروى أن زعيم الشايقية محمود عدلاناب رحب بالمماليك الفارين من مصر بعد مذبحة القلعة (1811)، وذلك بحكم طبيعة الكرم التي جُبل عليها قومه، لكنهم انقلبوا عليه لاحقاً وقتلوه.

المعاملات التجارية

وعرج الرحالة إلى إقليم بربر التي كان خاضعاً لمملكة سنار –زمن حكم أسرة الفونج-. ذكر أن معاملات جميع البلاد على الطريق الممتد منها إلى سنار يقوم على الذرة والدولارات الإسبانية، فجميع الأشياء ذات القيمة القليلة يقدر سعرها بالذرة التي وحدة كيلها «السلقا» أو اليد المملوءة. أما العبيد والإبل والسلع الأخرى ذات القيمة الكبيرة فيدفع ثمنها أو بثوب «الدمور»، غير أن السمسار يأخذ نصيبه ذرة ويستبدلها في الحال بدولارات.

العبابدة والبشارية

غير أن بوركهارد اختلط أكثر بقبائل العبابدة الذين كانوا يرشدون القوافل التجارية عبر الطريق الصحراوي الشرقي بين مصر والسودان، كما كانوا يقومون بحمايتها من قطاع الطرق. وذكر أن كثيراً من شيوخ العبابدة كانوا يطالبون بضريبة عند نجاة القافلة في حال الاعتداء عليها.

غير أنه صُدم بسلوك بعض الجماعات السودانية مثل البشارية الذين كانوا يعيشون على مرتفعات البحر الأحمر (بجوار العبابدة)، واعتادوا الاعتداء على القوافل في الطريق بين بربر وسواكن عبر صحراء التاكا، ونسب إليهم بعض الصفات والخصال الرزيلة.

لكنه على النقيض أعجب كثيراً بخصال وطبائع أهل الدامر (تقع على الطريق بين بربر وشندي) وسلوكهم الطيب مع الناس حتى القبائل والجماعات التي اشتهرت بنزعتها العدوانية مثل البشارية، إلى الحد الذي جعل بعض القوافل التجارية تلجأ إلى أحد فقهاء الدامر لمرافقتها بقصد حمايتها من عدوان هؤلاء البدو الذين كانوا يعملون حساباً كبيراً لهؤلاء الفقهاء.

ولفت إلى اهتمام أهل الدامر بالعلم والدين، وحرص فقهائها على الذهاب إلى الجامع الأزهر بالقاهرة أو إلى مكة للتزود والتفقه بعلوم الدين والشريعة الإسلامية، فزاد عدد الفقهاء في الدامر وكثرت المدارس بها التي يقصدها الدارسون من شباب دارفور وسنار وكردفان.

خصي العبيد

لكن الرحالة توقف كثيراً أمام شندي، ليس بحكم موقعها الجغرافي كملتقى لقوافل التجارة من مصر وأقاليم السودان المختلفة، ولكن أيضاً باعتبارها مركزاً رئيسياً لتجارة الرقيق، إذ كان الجزء الأكبر من هؤلاء يأتون من البلاد الوثنية مثل «بندا» و«فيتجو» إلى الجنوب والجنوب الغربي من دارفور، وكذلك «فرتيت» التي كان أهلها يبيعون كل شيء حتى أطفالهم  للحصول على الغلات أوقات المجاعة.

واستوقفه أيضاً ظاهرة خصي الرقيق التي كانت تجري في «برقو» إلى الغرب من دارفور، وكان بعضهم يُرسل إلى مصر، بينما يُرسل الباقي كهدايا يقدمها ملوك السود (الزنوج) للمساجد الكبيرة في مكة والمدينة عن طريق ميناء سواكن.

 



المصدر

كتاب «رحلات في النوبة».جون لويس بوركهارد.

0
0
0
0
0
0
0