يعد أدب المناظرات مرآة عاكسة للأحدث التي مر بها العرب قبل الإسلام، إذ تحولت كل القضايا التي فرضت نفسها تلك المرحلة في إطار جدلي اتخذ أكثر من شكل وإن كانت كلها داخل دائرة المناظرات. الدكتور مصطفى سليم استعرض تفاصيل ذلك في كتابه «المناظرة والحجاج».

المفاخرة والمنافرة

كانت المفاخرة والمنافرة هى الصورة الأولى التي وُجد عليها أدب المناظرة زمن الجاهلية، وإن اختُزل أغلب قضاياهما فى الحسب والنسب. ولا غرابة في ذلك، فقد أولى العرب الأنساب عناية خاصة، وكتبوا فيها كثيراً من المؤلفات.

تفاخُر العرب فيما بينهم أسهم في تمركز المناظرة حول الأنساب، فلم تترك حديثاً يخص الفخر بأي أمر إلا وطرقت بابه، فنجد المناظرات وقد دارت في فلك أحسابهم وأنسابهم وأيامهم وأخلاقهم وأعمالهم، واتخذت أكثر من صورة تنوعت بين المعاظمة والمراجزة والموازنة والمفاخرة.

وثمة تداخلاً بين هذه الفنون الأربعة، يمكِّن تصنيفها في باب «المنافرة والمفاخرة»، ويُدعم هذا القول إذا تأملنا اصطلاح كل منها.

فالمفاخرة هى تفاخر القوم فيما بينهم، والتحاكم إلى الأشراف من حُكامهم ليقضوا لأحدهم بالشرف. والموازنة هي المفاضلة بين إنتاج شاعرين ـ أو أكثر ـ ومقابلة هذا بذاك وتفضيل شاعر على آخر بقولهم، على نحو ما ورد فى مصنفات نقاد الأدب القدامى «هذا أشعر بيت قالته العرب» إلى نحو ذلك من التعبيرات والجمل النقدية.

والمعاظمة هي ضرب من مبالغة العرب بمنَعتهم وفخرهم، حيث تنافسوا فيما بينهم على «أيُّهم أعظم مصيبة»، على نحو ما حدث بين الخنساء وهند بنت عتبة في عكاظ. أما المراجزة فهي التنازع بين شاعرين بأشعار جاءت على بحر الرجز.

والملاحظ أيضاً أن هناك عاملاً مشتركاً تمثَّل في التحكيم؛ إذ يلجأ المتناظران إلى حـَكم يقضى لأحدهما بالفضل، سواء كانت القضية المطروحة أحساباً وأنساباً، أم موازنة، أم مراجزة، أم معاظمة.

المناظرة الاجتماعية

يذكر أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب «الأغانى» خبر منافرة دارت بين عامر بن الطفيل وبين علقمة بن علاثة، وهما من قبيلة عامر بن صعصعة؛ أقوى عشائر هوازن وأشدها بأساً. ودارت المنافرة حول أولوية سيادة العشيرة فيما بينهما، بعدما كبرت سنُّ «أبو بَراء عامر بن مالك»؛ عم عامر، واحتاجت القبيلة لرئيس غيره، وكان الخلاف على هذين الفارسين، فقامت بينهما المنافرة، التى استهلها عامر بن الطفيل مستعرضاً قوته وشجاعته من خلال فرسه، وردَّ عليه علقمة قائلاً: «أمَّا فرسُك فغارة، وأمَّا فحلُكم فعارةٌ»، أي عايره بضعف فرسانهم وفحولهم، فأما الفرس فمنخفض من الأرض وأما فحولهم فمعيبة.

واشتدَّ الجدل بينهما حتى وصل بهما إلى المنافرة، وأكثرا المراجعة فيما بينهما على موضوع المنافرة ما بين أخذ ورد في أن تدور المنافرة حول نسبهما، أو نسائهما، أو كرمهما، أو شجاعتهما، أو تكوينهما الجسماني، أو الجمال الخِلقي، حتى استقرَّ الرأي بينهما على أيهما أولى بالخيرات.

فخرج علقمة ومن معه من بنى خالد بن جعفر، وخرج عامر فيمن معه من بنى مالك بحثـاً عن حكم يقضى بينهما، وأبى أكثر حكماء العرب، ومنهم أبوسفيان بن حرب، وعمرو بن هشام، المعروف زمن البعثة بـ«أبى جهل»، أن يحكموا بينهما؛ خوفاً من الفتنة، إلى أن وصل بهما الأمر إلى هَرِم بن قُطبة الفزارىِّ، فقال: «قد تحاكمتما عندى، وأنتما كركبتى البعير الأدرم تقعان على الأرض معاً، وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس فى صاحبه، وكلاكما سيد قومه» كناية عن المساواة في الفضل والفروسية.

المناظرة الأدبية

ويخبرنا الرواة بالكثير عن أسواق العرب لنعثر على «المنافرة الأدبية» أو الموازنات، إذ كانت هذه الأسواق مختبراً حقيقياً للشعراء آنذاك، مما هيَّأ لهذه الموازنات أن تصبح واحدة من الخطى الأولى في تاريخ النقد الأدبي، ومع مرور الزمن وُضعت له المؤلفات في العصر العباسي الأول.

ويذكر الأصفهانى خبر موازنة كان طرفاها علقمة بن عبدة التميمى وامرؤ القيس، وقد تحاكما إلى أم جندب الطائية، زوجة امرئ القيس، ودارت حول «أيُّهما أشعر في وصف فرسه»، وقضت أم جندب بتفضيل وصف علقمة على امرئ القيس، إذ قالت لبعلها: علقمة أشعر منك.

المناظرة العنصرية

بيد أن هناك صنفاً ثالثاً لأدب المناظرة تمثَّل فى «المناظرة العنصرية»، يخبرنا به أبو عمر أحمد بن عبد ربه فى «العقد الفريد» ومحمود شكري الآلوسى فى «بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب»، وتمركز حول تفضيل أمة على أخرى، وتأتى منافرة النعمان بن المنذر وكسرى أنوشروان على رأس ذلك، ودارت في فلك «تفضيل العرب على سائر الأمم» من الروم والهند والصين والترك.

بدأت أحداث المناظرة حينما افتخر النعمان بن المنذر في بلاط كسرى بالعرب وفضَّلهم على سائر الأمم، ولم يستثن فارس، أمَّة كسرى نفسه، ولا غيرها، ما أثار حفيظة كسرى، فصبَّ غضبه في عدَّة دعاوى ضد العرب في محاولة منه لتقزيم حجمهم، وفنَّد النعمان هذه الدعاوى واحدة تلو الأخرى.



المصدر

كتاب «المناظرة والحجاج». الدكتور مصطفى سليم.

0
0
0
0
0
0
0