لم يكن يعلم المواطن محمود صالح حمدان، المقيم في قرية ناي إحدى قرى مركز قليوب بمحافظة القليوبية، أن ابنه الأوسط سيكون إحدى فلتات جيله، وسيشكل لغزًا كبيرُا على المستوى المعرفي والشخصي، إن لم يكن ألغاز حتى بعد موته بسنوات.

من خلف نظارة طبية تغطى لمحة من الوقار والحضور الذاتي، برز جمال حمدان المولود في الرابع من فبراير عام 1928، من بين أقرانه، ليعيد رسم ملامح شخصية مصر مرة أخرى، ويضع لها مفتاحا خاصا عنوانه البساطة والعبقرية.

عبقرية المصريين كما يراها حمدان تتجلى في بنيتها وملامح وجهها التضاريسي المميز، والضارب بجذوره في عمق الحياة، ليخرج شخصية مميزة خضعت لمراحل مزجت فيها بين إيقاع الإضافة والإزالة، كما الحال بين البحر ويابسه، لكن يأتي أخيرا النهر ليحول الصحراء لواحات خضراء، ظهر تأثيره على طول مجراه متمثلا في الوادي والدلتا والفيوم، هكذا يعرف جمال حمدان مصر في كتابه «شخصية مصر عبقرية المكان».

في المدرسة الابتدائية بدأ نبوغ جمال حمدان الدراسي، لكنه مع نهاية المرحلة الثانوية، سطر النبوغ الأول له بالحصول على الترتيب السادس في درجات النجاح على مستوى القطر المصري.

تعلق بالجغرافيا

من نعومة الأظافر تعلق جمال حمدان بالخط العربي، وبدأ يطوع موهبته فيه في رسم الخرائط، على اختلافها، ليكون ذلك بداية طريقة المحتوم نحو التخصص في الجغرافيا، فالتحق بجامعة القاهرة، واختار قسم الجغرافيا في كلية الآداب، ليصبح بعد أربعة أعوام مُعيدا فيه.

بعد انتهاء المرحلة الجامعية اتجه جمال حمدان غربا واختار بريطانيا لاستكمال مشواره الدراسي، فحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة ريدنج، وكانت رسالة الماجستير عن سكان وسط الدلتا، إلا انه حين تقدم بها للباحثين المسئولين عنه قرروا تحويلها لرسالة دكتوراه نظرا لإتقانها، فحصل على اللقب وعمره لا يُجاوز 25 عاما.

جائزة ثم استقالة

شكلت هذه المرحلة تحولا خطيرا في حياة الأستاذ الجامعي النابه، ليبدأ في التفكير في مشروعه الجغرافي الكبير، والسير نحو تشريح مصر جغرافيا، والمزج بين الجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية والإنسانية، واستمرت جهوده العلمية حتى حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1959، عن كتابه الأول «دراسات في العالم العربي».

في خطوة غير متوقعة قرر جمال الاستقالة من الجامعة عام 1963، اعتراضا على ترقية أحد زملاءه لنفس درجته العلمية، رغم أنه لا يستحق، وقرر بعدها الانقطاع عن التدريس، واعتكف في منزله ليبدأ مرحلته الأهم في حياته.

نبوءات حمدان

في فترة الاعتكاف الاختيارية التي قضاها جمال حمدان في منزله، حاول المزج بين الفلسفة والجغرافيا، وتنبأ -اعتمادا على ما توقعه من تغيرات جغرافية واجتماعية- أن تحدث بعض الأشياء خلال السنوات المقبلة، وبالفعل حدثت معظم نبوءاته قبل وفاته في 17 أبريل 1993، وبعدها حدث بعض منها.

في تبحراته العلمية تحدث عن نزوح المصريين إلى القاهرة بشكل مخيف، قد يتسبب في تحويل القاهرة لمدينة ضخمة مترامية الأطراف، وكانت هذه النبوءة وسكان القاهرة لا يشكلون سوى 5 مليون نسمة تقريبا.

بعد تقديم هذه النبوءة بدأ حمدان ينصح بتدارك الأمر قبل فوات الأون، فكان يقول «أنقذوا مصر من القاهرة، والقاهرة من نفسها، فكل طوبة توضع فيها هي جريمة في حق مصر، وكل كوبري يُبني داخل القاهرة، هو مسروق من مدينة أخري في مصر».

انهيار الاتحاد السوفيتي

لم يكن الأمر متوقفا على التنبأ بتحول القاهرة لمدينة ديناصورية فقط، فتحدث حمدان في أحد كتبه عن سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار دوله، وتحول الصراع لدفة أخرى بين الشرق والغرب، ففي كتابه «صفحات من أوراقه الخاصة» يقدم حمدان رؤية مستقبلية في غاية الخصوصية، ففي الوقت الذي تحدث الجميع في عام 2003، مع بداية تشكيل قوة عسكرية أوروبية «الناتو» أن ذلك قد يكون بداية لانهيار التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، نجد ان جمال حمدان قد تنبأ بهذا الانفصال منذ نحو 15 عاما.

وفي نفس الكتاب يؤكد حمدان أنه «بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وزواله، سيبدأ الطرف الآخر في البحث عن عدو جديد، قيل: إنه الإسلام، نؤكد أن الإسلام خارج المعركة والحلبة، هو فقط كبش فداء مؤقت، أما العدو الحقيقي الفعال فسيظهر من بين صفوف المعسكر المنتصر بالغرب، وسيكون الصراع الرهيب بين أمريكا وأوروبا الغربية أو اليابان».

ثورة على النفس

وبالعودة لشخصية مصر أشهر كتابات جمال حمدان، يقول فيها إن مصر تحتاج لثورة نفسية، بمعني ثورة على نفسها أولا، وعلى نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها.. ثورة في الشخصية المصرية وعليها ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر».

 فضح أكذوبة اليهود

ربما لم يعرف لجمال حمدان تاريخا نضاليا على المستوى السياسي والعسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكن الرجل اتخذ منحا آخر في المواجهة فكان له السبق في فضح أكذوبة اليهود الحاليين بأنهم أحفاد بني إسرائيل، الذين خرجوا من فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد.

وذهب حمدان في كتابه «اليهود أنثروبولوجيا» الصادر في العام 1967، إلى أن اليهود المعاصرين الذين يزعمون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمون إلى إمبراطورية «الخزر التترية» التي قامت بين بحر قزوين، والبحر الأسود، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي.

بعد قرابة 10 سنوات من تقديم هذه الأدلة أثبت «آرثر كوستلر» صاحب كتاب القبيلة الثالثة عشرة الذي صدر عام 1976، نفس النظرية ليؤكد أن اليهود الحاليين ليس لهم أي علاقة ببني إسرائيل.

كما كانت حياته عبارة عن ألغاز كثيرة حاول حلها، كان موت جمال حمدان أيضا من أكبر الألغاز، فرغم مرور قرابة 25 عاما على وفاته، في شقته الكائنة بشارع أمين الرافعي بحي الدقي، لم يعرف السبب الحقيق وراء موته، بعدما وجد آثار حروق على جثته.



0
0
0
0
0
0
0