تدرجات معمارية تأخذك معها، ربما تدور رأسك وأن تتابع الانحناءات الخراسانية المنمقة في قبة المسجد، أو حتى في جدرانه من الجهة الأمامية، وتدرجات النوافذ والفتحات، التي تحكى ربما تاريخا مصريا خالصا مزجه المصمم في لوحاته بميراث من حضارة المسلمين الأوائل، فمئذنة مسجد باصونة، أقرب للمسلات الفرعونية في اللون والصنعة.

في 28 يناير 2019، بينما عجلة الحياة تدور بشكلها الطبيعي في قرية باصونة التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، فوجئ الأهالي بأن مسجدهم بات محل اهتمام المتخصصين، ونال حفاوة الخبراء في علم العمارة، بعدما رشح ضمن 27 مسجدا آخر للفوز بجائزة عبد اللطيف الفوزان، كونه تحفة معمارية أبدعها المهندس وليد عرفة.

حكاية مسجد باصونة تبدو معقدة للوهلة الأولى، لكنها تستحق التتبع، مهندس معماري يدرس في لندن، يعود في زيارة سريعة بدعوة من أحد أصدقائه ليعمل تصور عن تجديد مسجد بأحد قرى الصعيد، ويعود ليستكمل دراسته مرة أخرى، لا لم تكن الأمور بهذه السهولة، فالأمر هو نتاج شهور متتالية من العمل.

موقع مسجد باصونة القديم قبل إعادة البناء 


قبل هذه الأحداث بعدة أشهر كان أهالي قرية باصونة يتحدثون فيما بينهم عن ضرورة إعمار مسجد آل أبو ستيت، الذي أوشك على السقوط، بفعل مياه السيول، التي لم ترحم جدرانه التي تأوي عباد الله القادمين من كل ضامر لأداء الصلاة.

تفكير الأهالي هداهم للاتصال بأحد أبناء القرية البارزين من حيث الشهرة، والعلم الديني، فهو مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية، الدكتور أسامة الأزهري، كان الغرض في البداية المساهمة في تطوير المسجد، وإعادة بنائه، كونه أحد أقدم المباني بالقرية.

قبة مسجد باصونة من الداخل 


بالعودة للمهندس وليد عرفه يقول لـ«شبابيك» إن الأزهري تواصل معه لكي يأخذ الرأي في عملية ترميم المسجد، إلا أن الصور التي أرسلها لم تكن كافية، فأبلغه أن الأمر يحتاج لمشاهدة الوضع على الطبيعة.

صباح الثامن من يونيو 2014، صعد عرفة مصعد طائرته المتجهة للقاهرة قادما من لندن، لأداء مهمة كان يتوقع ألا تتخطى 3 أيام، فالأمر لا يعدو كونه مسجد في أحد قرى الريف المصري، ومن ثم العودة مرة أخرى لاستكمال الدراسة.

من لندن لسوهاج

«من القاهرة لمطار الأقصر وبعدين عربية لسوهاج» طريق تعود عليه عرفة فهو أحد أبناء مركز المنشأة القريبة من مغاغة، ليصل بغيته في العاشرة صباحا، ويعود مرة أخرى للقاهرة مع نهاية اليوم في الحادية عشر ليلا، وبعدها بيوم واحد غادر إلى لندن.

بعد مشاهدة الأمر على أرض الواقع كتب وليد تقرير تفصيلا وأرسله للأزهري أكد فيه أن محاولات الترميم لن تكون مجدية، خصوصا وأن المسجد لا يمثل أي قيمة معمارية، وأنه ينصح بإعادة بنائه من جديد.

الأفكار التي كانت تراود المهندس المعماري كلها تلاشت بعد العودة لندن، أفكار أكثر قيمة بدأت تدور في الرأس المتشبع بعلوم العمارة الإسلامية، خصوصا بعدما شاهد مباني في غاية السوء وهو في طريقه للقرية، «للأسف المباني تزداد رداءة وتخلفا مع مرور الزمن».

جانب من الفن المعماري لمسجد باصونة


6 أشهر من التصميم

يكمل: «مباني قرية باصونة ليست في أفضل حال خصوصا الحديث منها، يفتقد لكل معاني الجمال والإيجابية التي تتمتع بها بعض المنازل القديمة».

لأيام متتالية ظلت مشاهد المباني وموقع المسجد وما يحيط به من زراعات أو بيوت سكنية عالقة في رأس وليد عرفة، ليستغرق تصميمه للمسجد الذي توقع إنجازه في أيام 6 أشهر متتالية.

هدف وليد وقتها لم يكن الحصول على جائزة معمارية بل الأمر كان أعمق من ذلك، كان يفكر في كيف يمكن أن تخدم العمارة هذه المكان الريفي، وكيف يحاول أن يستعيد القيم الأصلية للمكان متجاوزا الانحطاط المعماري التي سقطت فيه القرية بعد أن كانت تعج بالمباني الفريدة والناجحة لينشئ مبني يمزج بين القديم والجديد من حيث الشكل والمضمون.

في المسجد حاول وليد عرفة أن يكون للمرأة مكان أيضا في المبنى، من خلال فسح المجال لها لتصلي، وتمكينها من حضور كافة أنشطة المسجد التثقيفية والتنويرية.

مسجد باصونة من الداخل 

عمارة المساجد

بالانتقال للحديث عن شخص المصمم المعماري، يقول وليد إنه يدرس حاليا العمارة في كلية «أركيتكتشر اسوسيشن» بلندن، وتناول في مرحلة الدراسات العليا آليات الحفاظ على المباني التاريخية، وتدرج في تلك الدراسة بغرض تقديم عمارة للحاضر والمستقبل ولكن من خلال التعامل المباشر مع فلسفة القيمة، وتقنيات البناء، وعلم أمراض المباني، وخواص المواد، وتاريخ العمارة، والنظم الإنشائية التاريخية.

رسالة الماجستير التي ناقشها وليد كانت تبحث في محاولات المسلمين البريطانيين لإنشاء عمارة مساجد بريطانية، وذلك باعتباره مدخلا يميز بين المطلق والنسبي في قيم التصميم.

عرفة يشير إلى أن مسجد باصونة هو تجسيد عملي لسنوات دراسته حيث أن الجامع تطبيقا عمليا لما خلص إليه في أبحاثه.

جائزة عبد اللطيف الفوزان

خلال مراحل التصميم والتنفيذ لم يفكر وليد عرفة في الترشح لأي جائزة، لكن لحسن الحظ فتحت جائزة عبد اللطيف الفوزان والتي كانت مقصورة على عمارة المساجد في الخليج الباب أمام مشاركات من مختلف دول العالم.

عرفة يقول، إن مسجد باصونة هو أول مسجد مصري يدخل في المنافسة على الجائزة، ورغم ان القائمة الطويلة للترشح كان بها مساجد مصرية أخرى، لكن كان الحظ حليف مسجد باصونة، الذي نجح في التصفيات الأولى ووصل ضمن ٢٧ مسجدا للجولة الثانية والتي تنتهي باختيار ٣ مساجد فائزة في ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩.

مسجد باصونة.. تحفة معمارية في قرية بسوهاج


 



0
0
0
0
0
0
0