في مطلع القرن السادس عشر تعرضت منطقة الخليج العربي لحملات برتغالية هدفت بالأساس إلى السيطرة على طريق التجارة إلى الهند، وفي سبيل ذلك ارتكب البرتغاليون سلسلة من الانتهاكات والممارسات الوحشية بحق سكان المدن التي استولوا عليها.

وفي دراسته «السيطرة البرتغالية وأثرها على النشاط البحري في منطقة الخليج العربي 1507 – 1521»، روى الدكتور إسماعيل نوري الربيعي القصة كاملة.

نزف ثروات الخليج

يشير واقع حجم التبادل التجاري بين الشرق والغرب حتى أواخر القرن الخامس عشر، إلى أن الميزان التجاري كان يسير لصالح الشرق، حيث الرغبة العارمة الصادرة عن الغرب في الحصول على البضائع الشرقية من توابل ومجوهرات وحرير ومنسوجات وشاي.

وكان الدور الأهم في هذا السياق من نصيب المدن الإيطالية التي لعبت دور الوسيط التجاري، والتي ساهمت في استنزاف المعادن الثمينة ونقلها إلى الشرق نظير الحصول على بضائعه.

ومن هنا فإن الدعوات راحت تتصاعد في أوروبا بغية إيقاف هذا النزف للثروات، باعتبار توجهها إلى بلدان غير مسيحية، مثل الصين والهند وفارس والدولة العثمانية، خاصة أن ما كان يُستخرج من معادن ثمينة في العالم الجديد كان يُوجه للحصول على البضاعة الشرقية.

قمع واستنزاف للثروات

من هنا بدأ البرتغاليون سياسة القمع والاستنزاف للشرق عبر أسلوب السيطرة المباشرة والاعتماد على العنف المنظم، مستفيدين من الفارق التقني في الأسلحة الذي مال لصالحهم آنذاك.

وعلى الرغم من تركز هدف الغزو البرتغالي في الوثوب إلى الهند للسيطرة على مركز الإنتاج الشرقي، إلا أن البرتغاليين اتجهوا للسيطرة على منافذ وممرات البحر الأحمر بهدف التحكم في طريق رأس الرجاء الصالح، لكن صمود الأسطول المملوكي جعل البرتغاليين يتجهون إلى الخليج العربي.

تبدت الخطوات الأولى في الممارسة الوحشية، فالحملة التي تألفت من سبع سفن وحملت على متنها 460 مقاتلاً مزودين بالسلاح الناري الحديث (مدافع وبنادق)، كان لها الدور البالغ في اقتحام المدن الساحلية لاسيما الخليج العماني الذي تحمل عبء الصدمة الأولى، فكان الهجوم على مدينة قلهات التي لم تسلم من البطش البرتغالي رغم موافقة حاكمها شرف الدين الفالي على الشروط التي تقدم بها القائد البرتغالي ألبو كيرك.

وفي أغسطس 1507 تقدم البرتغاليون نحو مدينة فريات التي واجهت الهجوم بصمود باسل، ما جعل الطرف الغازي للتنكيل بالمدينة وحرق دورها وأسواقها واستخدام أبشع الوسائل خلال التعامل مع الأسرى.

ومن واقع التنكيل والبشاعة البرتغالية تهيأت مدينة مسقط لمواجهة الزحف القادم لها، عبر تنظيم خطوطها الدفاعية، إلا أن فارق القوة العسكرية في التسليح والخبرات القتالية جعل التفوق لصالح البرتغاليين الذين أعملوا السيف بطريقة أشد بشاعة في سكانها، حتى أن أعمال القتل والتنكيل طالت الجميع نساء وشيوخا وأطفالا، وصلاً بالنهب والحرق الذي طال كل شيء.

وفي ضوء الآمال الوحشية وسياسة الأرض المحروقة التي مارسها البرتغاليون والوعي بفارق القوة، لم يكن أمام مدينة صحار سوى إعلان قبول التفاوض الذي استند إلى الاعتراف بالتبعية للتاج البرتغالي من خلال رفع العلم البرتغالي على قلعة المدينة، وتقديم ضريبة سنوية.

وبالقدر الذي تمكن فيه فيه البرتغاليون من نشر نفوذهم بالطبش والقوة، فإن هذا الواقع لم يرهب مدينة خور فاختارت خيار المقاومة، وتمكنت من إيقاع الخسائر البالغة بالجانب البرتغالي، ما حدا بالبرتغاليين بعد أن تم لهم السيطرة على المدينة أن ينكلوا بها حرقا وتدميرا ونهبا.

إتاوات وقرصنة الاحتلال البرتغالي

في أعقاب ما تحقق من سيطرة على مملكة هرمز التي كانت تمثل نقطة التقاء مجمل النشاط البحري في المنطقة، اتجه البرتغاليون بعد ذلك لاستهداف بنية العلاقات التقليدية في منطقة الخليج، عبر استخدام القوة المفرطة من أجل فرض الضرائب ومحاولة السيطرة على الجمارك، وتحصيل الأموال على السفن العابرة لمملكة هرمز بوصفها المتحكمة بالطريق التجاري الموصل إلى الهند، بل ووصل الأمر للتحكم في طبيعة البضائع المارة.

ولم يتوقف البرتغاليون عند هذا الحد بل تطلعوا نحو فرض سيطرتهم على النشاط التجاري المتعلق بصيد اللؤلؤ، أو تجارة الخيول التي كان يتم تصديرها من البصرة إلى الهند.

وكان لهذه الممارسات أثرها الموجع على الحياة الاقتصادية، فتراجعت أعمال التجار والحرفيين وتضررت صناعة السفن، وتوقفت أعمال التفريغ والشحن في الموانئ، وتجاوز الأمر نحو تجار التجزئة وأصحاب المحلات الخاصة.

ونتيجة لذلك عانت الأسواق المحلية من شح المعروض، فيما توسع نشاط الضباط البرتغاليين في مجال الابتزاز والسيطرة والنهب، إلى الحد الذي لم يتورعوا فيه عن ممارسة أعمال القرصنة بحق السفن التي ترفض تقديم الرشوة لهم.

ثورات شعبية ضد البرتغاليين

وأمام هذه المعطيات تضافرت جهود أبناء المنطقة للقيام بثورة شعبية واسعة شملت عموم الخليج العربي، اشتعلت شرارتها في نوفمبر 1521،  فهاجم الثوار على مجمل المعاقل والحصون البرتغالية في هرمز والبحرين ومسقط وفريات.

لكن الثورة الشعبية تعرضت للإخفاق بسبب الخلافات الداخلية التي شبت بين مملكة هرمز وآل جبير ما سهل على الأسطول البرتغالي مهمة القضاء عليها، وفرض إجراءات أشد تعسفا تمثلت في فرض الغرامات الحربية وزيادة مقدار الضريبة.

وفي 1529 نشبت ثورة في هرمز والبحرين لأسباب تتعلق بعزل ملك هرمز شرف الدين، وتضامن بدر الدين في البحرين مع هرمز، ورغم إقدام البرتغاليين على إرسال أسطول بحري لقمع الثورة، إلا أن الموقف الشعبي كان قد أبرز تضامنا وتلاحما ساهم في تعزيز المواجهة إلى الحد الذي لم يتمكن البرتغاليون من إجهاضها.



المصدر

دراسة «السيطرة البرتغالية وأثرها على النشاط البحري في منطقة الخليج العربي 1507 – 1521». الدكتور إسماعيل نوري الربيعي.

0
0
0
0
0
0
0