المسحراتي وفانوس رمضان، ومدفع الإفطار وموائد الرحمن، مظاهر رمضانية ارتبطت بتراثنا الشعبي، لكل منها قصة وحكاية صمدت على مر التاريخ.

معروف أن التاريخ يتبدل مع الزمن، ومع تعدد الروايات تصبح الحقيقة غامضة، لكن ما لا يستطيع التاريخ تغييره أبدًا هو السلوك والعادات الموروثة، خاصة لو ظلت معنا حتى هذه اللحظة، ولو كنا أول من صدرها للعالم كله.

نبوت المسحراتي

يقول أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بجامعة القاهرة محمود إبراهيم، إن جميع مظاهر الاحتفال برمضان، مثل المسحراتي واستطلاع الرؤيا والفانوس، ظهرت في العصر الفاطمي، الذي حول المناسبات الدينية إلى مهرجانات ومظاهر احتفالية.

هناك رأي آخر حول العصر الذي ظهر فيه المسحراتي، فأستاذ الآثار والفنون الإسلامية بجامعة المنيا عصام السياتي، يرى أن يعود للعصر العباسي وتحديدًا في مصر أيام الدولة الطولونية.

كان المسحراتي يخرج من مدينة القطائع ويطوف بالبيوت حتى جامع عمرو بن العاص، وينادي في الناس: «تسحروا فإن في السحور بركة».

ومن القطائع انتقلت هذه العادة إلى الأسكندرية، وظهرت مجموعة تسمى «القرقعان» سُميت بذلك لأنها كانت تُمسِك بالنبوت وتطرق على الأبواب لإيقاظ النائمين. وعبر البحر المتوسط، انتقلت هذه المجموعة لبلاد الشام، مثل سوريا ولبنان. وقلبوا الكاف جيمًا، وأطلقوا عليها «الجرجعان».

ظهرت عادات طريفة بين الممتهنين بمهنة المسحراتي، وفقًا لسياتي؛ كان أحدهم ينادي: «يارب امنحنا الصوم.. وأعطنا اللحم المفروم.. عبدك ماله أسنان».

وبالنسبة للمصريين فكانوا أول من استخدم الطبلة للمسحراتي، فلم تكن بعيدة عن ثقافتهم. ويوضح «السياتي» أن طبلة «الباز» في أصلها مصرية، تعود لقدماء المصريين، وفي الأقاليم كان منادي السلطان يستخدمها لإعلان أحكام السلطان، وقراراته على الناس.

وفي بعض الأحيان كان المسحراتي يمسك بالربابة ويروي أجزاء من السير الشعبية. وكان على المسحراتي – كما يحدث اليوم – أن ينتظر للعيد حتى يحصل على المقابل وهو «العيدية» البعض كان يتكفل بإعطاءه وجبة للسحور وبعض الهدايا الأخرى طوال شهر رمضان.

المسحراتي أيام الرسول

منذ أيام الرسول، واعتاد المسلمون أن ينبههم أحد الأشخاص لوقت السحور، كان بلال بن رباح، يؤذن قبل الفجر بوقت كافي، لينبه الناس لاقتراب الفجر فيكفون عن تناول الطعام ويستعودون للذهاب للمسجد، يتبعه آذان عبد الله بن أم مكتوم ليعلن ابتداء يوم جديد من الصوم.

ويوضح أستاذ الآثار الإسلامية، عصام السياتي أن هذه العادة انتشرت للدول الإسلامية، ثم تطورت مع العصر الحديث، فأصبحت هناك الابتهالات والتواشيح في المساجد قبل صلاة الفجر، وبعدها دخلت للإذاعة مع دخولها مصر، ومعها دخلت معها أغنية المسحراتي لسيد مكاوي وكلمات فؤاد حداد.

فانوس من أصل فرعوني

لم يكن الفانوس أكثر من مصباح يستخدمه الناس في الإنارة. يقول «السياتي» كلمة الفانوس نفسها أصلها فرعوني وهي «آنوس» وتعني المصباح، وأخذها اليونانيون عن المصريين القدماء، ومنها جاء اسم «فينوس» إلهة الجمال والنور عند الإغريق؛ وفقا لعصام «السياتي».

ويؤكد الدكتور محمود إبراهيم أن المصريين عرفوا الفوانيس والمشاعل كوسيلة إضاءة قبل العهد الفاطمي، وكان لها أشكالًا متعددة. ويؤكد أنه حتى اليوم تستخدم الفوانيس والمشاعل بالريف في المواكب والأفراح.

وعندما فتح الفاطميون مصر، استقبل القائد جوهر الصقلي، الخليفة المعز الفاطمي، بأن أنار له الشوارع بالمصابيح، وقد أحب «المعز» هذا الترحيب الشديد، حتى أنه أمر بالتوسع في صناعة الفوانيس وتوزيعها مجانًا، لتنير الطرقات مساء، وأمام محلات التجار.

ولأن اليوم الذي دخل فيه المعز القاهرة كان أول يوم رمضان، ارتبط تزيين الشوارع بالفوانيس بهذا الشهر؛ فقد كانت مصر بارعة في صناعة الشموع والمصابيح، وهو ما سهّل انتشار تلك العادة.

موائد الرحمن

في أيام الدولة العثمانية اعتاد المصريون على إقامة بعض التكايا على مدار العام،  لإطعام الفقراء والمحتاجين. كانت هناك أيضًا تكايا مخصصة للمياه لتشرب منها الحيوانات التي تحمل البضائع عبر الصحراء.

وتزدحم هذه التكايا في رمضان أكثر من أي وقت آخر من السنة، ما دفع الناس للتوسع فيها في هذا الشهر.

انتشار هذه الموائد بهذا الشكل وهذه التسمية هو شيء حديث جدًا، كما يؤكد «السياتي»، فبعض القرى قبل أن تعرف الموائد بشكلها الحالي، كان الأهالي يتجمعون حول المسجد الكبير بالقرية ويفرشون الحُصر ويتيحون تناول الطعام للجميع.

ويرى أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، الدكتور محمود إبراهيم، أن للخلفاء دور في موائد الرحمن، فقد كانوا يقيمون موائدًا للشعب في شهر رمضان.

أما عصام السياتي، فيرى أن الخلفاء الفاطميين كانوا يوزعون الدنانير الذهبية والعطايا بالمساجد، في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، فقط.

المدفع والمفطراتي

كما اعتاد المصريون على شخص يوقظهم للسحور وأطلقوا عليه المسحراتي، عرفوا كذلك ما يمكن أن يُطلق عليه «المفطراتي» وهو شخص كان يطوف بين البيوت في العصر العثماني، ليُعلن للناس موعد الإفطار، في الأماكن البعيدة عن المساجد والتي لا يصل لها صوت الآذان؛ وفقًا للدكتور محمود إبراهيم، ثم ابتكر استبدل هذا «المفطراتي» بمدفع الإفطار في العصر الحديث.

هناك رواية أخرى حول مدفع الإفطار، يحكيها الدكتور عصام السياتي، وهو أنه يعود لعصر محمد علي باشا، عندما أطلق أحد العساكر المسئولين عن مدافع القلعة، طلقة عن طريق الخطأ.

واقتيد العسكري لتتم محاكمته، لكنه فوجيء بأن أمراء القلعة اعتقدوا أنه ضرب المدفع لينبههم لوقت الإفطار الذي حان للتو، وهنا طلب منه محمد علي باشا أن يستمر على تلك العادة طوال شهر رمضان، حتى ينتبه الناس لوقت الإفطار، خاصة في الأماكن البعيدة عن المساجد، التي لا يصل إليها صوت الآذان.

 




0
0
0
0
0
0
0