عزة سلطان تكتب: لكن دمي فاسد إلى حين

يا ليلي

هذه دموعي.. ملوحتها خالصة للحزنِ، للفقدِ، البكاء لا يُطهر العيون كما خدعونا، الدمع يُرهق العين ويجرح القلب، أحكي لك عن الوحدة والصمت، عن التخلي.. هل تعرفين يا ليلى أني نسيت أنني ذات يوم كانت لي عائلة؟
هل أخبرتني عن إخوتي، أين هم؟ أين أمي؟ ما أقسي الفقد، هل ماتوا، لا يموت سوى الأحبة يا ليلى، تقولين إن الأحبة لا يموتون، أصدقك يا ليلى، هم لا يموتون، نحن من نموت في وحدتنا وقسوة الحياة التي تدفعنا في سباقاتها.. أموت فى وحدتي يا ليلى، ولا أنتظر أن يكفنني شخص يعرفني، سيبحثون فى أوراقي حتى يعرفوا ديانتي، ويعرفوا في أي مكان ستكون فجوة روحي.

عيوني ذبلت مع روحي، سأجلس يا ليلى فى شقتي لا أُطل من نوافذها، ولا أقبل نسائم الوطن المحملة بالوجع، سأظل هنا حتى أتعفن من الفقد، فلا أشتاق أحدًا؟

أضم شفتاي، أكتم الرجفة في ضغطة على أسناني، تصطك الأسنان، يتفتفت ضرس تحت وقع الوجع والقهر، يدخل الدمع يمر إلى فمي، تزداد مرارة حلقي، وأكف عن الرؤية، أمتنع عن السمع، أُعطل كل حواسي.

هل مُتُ؟

يعلو صدري ويهبط، ربما هي الحياة، الحياة المائلة إلى الألوان الداكنة، تسود السُحب شمس اليوم، لا تغيب عني صورة سيدتين كل منهما تحمل ما لا تقدر عليه تسير على هامش الحياة، تُسرع نحو موت عشوائي، تُري هل كانت ترعى صغارًا؟

هل تركت زوجًا مريضًا؟ أبًا يحتاج أن تُعينه لتذكر اليوم؟ أم تحتاج يدها الحانية لتوصلها إلى الحمام؟

أم تُرى المرأة الثانية كانت مسافرة لزخم عناق يُقدم لها الحياة؟

أُغلق عيني فلا يمر الدمع إلى الخارج، تخترق الملوحة روحي، والبكاء لا يُصلح ما أفسده الموت!

تزداد ملوحة أوردتي، تكتظ بالغضب، فأصمت.

يمر الدمع إلى الداخل، يختلط بدمي، والأيام لا تعرف مرارة أكبر من الفقد، لا نعرف وجعًا أكبر من الموت فجأةً، حين أخرج من بيتي أحمل كفن صغير، أُداريه فى حقيبة يدي، وربما أضعه على كتفي، الموت عابث يُطارد الجميع، واللافتات متنوعة، هل أنزل إلى السوق وأشتري أغراض ابني، لكن هل سأعود؟

تبقي التساؤلات حائرة وصور الموت متلاحقة، أمد يدي للبحث عن وريد، هذا دمي امنحه لامرأة تشقى، لأم ظلت تُذاكر لأطفالها حتى ناموا وهي تردد جملًا رتيبة.

لكنهم يعرفون بأمر الدورة الشهرية، لا يُمكن أن يخرج دم أكثر، سيضعف جسدك، والكلمات ثقيلة وقعها، دمي فاسد يخرج، أتخلص منه كل شهر، وأجدد الحياة، فامنحوا حياتي لآخرين.

الحزن ثقيل يا أُمي، والدم يحيط بي، أتذكر حكايات موسي عليه السلام، كل سائل لونه أحمر، اللون الأحمر إشارة حب وموت وقهر، القلب لونه أحمر، والدم لونه أحمر، وبدلة الإعدام لونها أحمر، كيف نخرج من الموت إلى أقصى أطراف الحياة؟

يا ليلى أن الأسئلة تكبر فى عقلي، تُطارد النوم، ولا أعرف كيف أصطاد الأحلام الهادئة، لم يُخبرنا الله بأعمارنا، لكن الموت سهم يخترق الروح، لا تغضبي إن صرخت، إن ضاع صوتي، في أي شيء أحتاج هذا الصوت؟

أنا يا ليلى لا شيء

لا تغيب عني صورة سيدتين كل منهما تحمل ما لا تقدر عليه تسير على هامش الحياة، تُسرع نحو موت عشوائي، تُري هل كانت ترعى صغارًا؟

مجموعة متراكمة من الفقد والحزن، فى كل مرة ابتكر حيلا جديدة حتي لا أُسمي أحبتي أمواتًا، لكن هل أقول لكِ إن أكثر ما يوجع روحي هو موت العابرين، أشخاص يكمنون فى هوامشي، ولا أدخل متن حيواتهم.

هؤلاء الذين لا أعرفهم ويفجعني موتهم كجزء من رحمي، يسكنون غرفتي، صورهم، ماذا إن أغلقت عيني، وصممت أّذني، وقطعت لساني، هل أقول لك شيئًا آخر؟

بالأمس اشتريت تمثالا لثلاث بومات (لا تري، لا تسمع، لا تتكلم) نعم البومة نذير الشؤم لدينا، حتى البومة يا ليلى كفت عن المتابعة، وقلبي ينزف، ولا شيء يوقف الموت.

الحزن لا يصغر بالوقت، لكننا نحفر أنفاقًا من الأعباء نغوص فيها فلا نري سحب الهم، والأنفاق معبأة برائحة الشواء، صرخات أحياء يغادرون بسرعة، ولقطات لم يجرؤ أكثر مخرجي الرعب دموية علي الاتيان بها، أحفر أنفاقًا أكثر عمقًا، لأري نساء حملن همومنا تسيرن منحنيات وفي أيديهن أغراضًا للبيت، والموت مقاول يجمع أرقامًا ليملأ سفينته ويرحل مؤقتًا.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه

عزة سلطان

كاتبة

ميكس ميديا