ورق البردي الفرعوني.. قصة النبات الذي سبقت مصر به العالم علما وصناعة

كانت الحضارة الفرعونية في مصر صاحبة السبق في كل مجالات العلوم والصناعة في الفترة التي ازدهرت فيها، وليس من المستغرب أن تقوم تلك الحضارة التي يرجع تاريخها لآلاف السنوات هي صاحبة الفضل في اكتشاف طريقة للتدوين والكتابة على وسيط يمكن نقله والاحتفاظ به، ومن هنا بدأت قصة ورق البردي الفرعوني الذي أسّس لاكتشاف ورق الكتابة الحديث.

اكتشاف ورق البردي الفرعوني

علمت الحضارات القديمة أنه كان لابد من إيجاد طريقة للتواصل فيما بينهم، ومع الحضارات الأخرى، ونقل إرثهم الثقافي والاجتماعي إلى الأجيال التي ستخلفهم، ومن هنا جاءت الكتابة التي بدأت على جدران الكهوف سواء بالنحت عليها بالرسوم والعلامات، أو بطلاءها بمواد لن تختفي مع الوقت.

وأجبر التطور الهائل الذي حدث في الحضارة الفرعونية على مستويات علمية تتعلق بالطب والهندسة والفلك وغيرها، ألحّت الحاجة لوسيط يمكن الكتابة عليه ونقله من مكان لآخر وتعليم الآخرين من خلاله فاتجهوا للاستفادة من أحد النباتات التي انتشرت في مصر حينها.

يقول الأستاذ الدكتور حسام عبد الحميد في بحث بعنوان «علاج وصيانة البردي: المشكلة والحل»، إن ورق البردي هو أقدم ورق كتابة في التاريخ، ويرجع إلى أكثر من ألفي سنة.

وتعلّم المصريون القدماء صناعة ورق البردي من قصب البردي الذي انتشر في شمال مصر، عن طريق جمع سيقان قصب البردي، وكشط اللحاء الخارجي ليُستخدم في صناعة الحبال والقوارب والأشرعة، وجمع اللب المحشوّ داخل السياق، يقطع اللب الرخو الذي أخرج من السيقان ويرصص بحيث تتكون طبقتان متعامدتان فوق بعضيهما، وتُضغط بعد أن تبلل بالماء.

ورق البردي الفرعوني في العصر الروماني

صناعة ورق البردي ازدهرت في العصر الروماني في حكم بطليموس، وصنع حكوميا، وصدر إلى عالم حيث اكتشف ورق البردي ف كل من آسيا الصغرى وسوريا وأوربا، ومنح مصر تلك الميزة أن نبات البردي كان ينمو فقط في دلتا النيل، واستُعمل البردي عالميا لقرون عديدة.

ومما يبرهن على أنه تم استخدام البردي لفترات طويلة اكتشاف بردي يرجع تاريخه إلى ما بين أعوام 722 و1057 ميلاديا، وكان يعد أفضل برديات العالم، حيث يصل طوله إلى 5 سنتيمترات عكس النباتات الأخرى، التي كانت تتوقف عند 3 سنتيمترات فقط، مما لا يعطى مادة صالحة للصناعة، لذلك احتكرت مصر هذه السلعة.

استخدامات ورق البردي الفرعوني

أوراق البردي التي اكتشفها علماء الآثار خلال القرون الأخيرة كشفت لنا الأمور التي استخدم الفراعنة ورق البردي لأجله وتنتشر العديد من أوراق البردي من العصور الفرعونية الآن في المتاحف المصرية والعالمية، وبجانب الموضوعات الأدبية والعلمية التي وجدت فيها، توجد موضوعات غير تقليدية كتبها المصري القديم، وكان بينها كتابات لتحميس الشعب المصري للانخراط في الجيش ليدافع عن بلاده وقت الحرب، ومنها الموضوعات الخاصة بالتعليم للقضاء على الأمية، والحث على العمل للقضاء على البطالة والنهوض بالبلاد والحفاظ على القيم والمبادئ والتقاليد.

وتم اكتشاف نصوص مكتوبة على ورق البردي الفرعوني النصوص ذات الصبغة التجارية والخاصة بعقد الصفقات وبنود الاتفاق بين الاشخاص المتعاقدين، وموضوعات أخرى خاصة بالحياة الاجتماعية من زواج وطلاق، والميراث وطريقة توزيعه بعد الوفاة.

الطب وورق البردي الفرعوني

تم التعرف على الكثير من المعلومات عن الطب في مصر في العصور الفرعونية من خلال البرديات الطبية وعددها 15، تم العثور عليها خلال القرنين الماضيين، بالإضافة لنقوش المعابد والمقابر.

وتناولت البرديات الطبية كثيرا من الموضوعات الطبية منها بناء جسم الإنسان، ووصف الأمراض إكلينيكيا، والعقاقير الطبية، وأساليب علاج الكسور والكدمات.

أهم أوراق البردي التي تم اكتشافها

البرديات الموجودة في المتاحف منها برديات يتجاوز طولها 45 مترا، وتتحدث عن موضوعات متعلقة بالموت والحياة الأخرى والثواب والعقاب، والبرديات الطبية التي تحوي تشخيص للأمراض وأدوية لها، وبرديات أدبية تحوي قصصا وأساطير وأشعار وبرديات تتحدث عن الإدارة والقضاء والعمارة وأخبار الحروب وحدود الأقاليم والمدن وما يعبد فيها من أرباب، وبرديات في العلوم والفلك والحساب والهندسة والطب.

ومن البرديات الشهيرة بردية تورين من عصر الرعامسة وهي موجودة في متحف برلين بألمانيا مكتوبة بالخط الهيراطيقي وهي بردية هامة حيث تسجل أسماء الملوك المصريين القدماء وفترات حكم كل واحد منهم بالأعوام والشهور والأيام وبالتالي فهي مصدر هام للتأريخ المصري القديم وكتابته.

وبردية (إيبرس) الطبية وهي من المراجع الهامة لمعرفة الأمراض الباطنية والعلاج من عهد الملك أمنحتب الأول (الأسرة 18 دولة حديثة) حيث أنها عبارة عن مجموعة مؤلفات وبحوث في مواضيع طبية مختلفة من أمراض باطنية وأمراض العيون وأمراض جلدية وعلاجها وأمراض القلب والشرايين وعلاجها وأمراض الأورام والخراريج وعلاجها جراحيا وبالأدوية.

وهناك بردية أو قرطاس (كاهون) في أمراض النساء والولادة والطب البيطري، وبردية برلين الطبية وبردية إدوين سميث في أمراض النساء وعلاجها، وبردية تشستربيتي.​​​​​​​

أحمد عبده

صحفي مصري متخصص في الشأن الطلابي، يكتب تقارير بموقع شبابيك، حاصل على كلية الإعلام من جامعة الأزهر، ومقيم بمحافظة القاهرة

ميكس ميديا