قُطعت عنهم المياه ومواد التموين والوقود.. كيف عاش «السوايسة» تحت حصار الصهاينة؟

قُطعت عنهم المياه ومواد التموين والوقود.. كيف عاش «السوايسة» تحت حصار الصهاينة؟

منذ 29 أكتوبر عام 1973 وحتى يناير 1974 عاش أهالي مدينة السويس ملحمة بطولية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعدما وجدوا أنفسهم تحت حصار قوات الجيش الإسرائيلي، لكن «السوايسة» قبلوا التحدي وضربوا أروع الأمثلة في التضحية. حسين العشي روى القصة كاملة في كتابه «خفايا حصار السويس.. 100 يوم يوم مجهولة في حرب أكتوبر 1973».

قطع الإمدادات

بعد حصار الجيش الإسرائيلي للسويس، وجد أهالي المدينة أنفسهم أمام أكثر من مشكلة، منها نقص المواد التموينية نتيجة إصابة أغلب المخازن في معارك أكتوبر فلم يتبق سوى 1200 جوال دقيق فقط، وقطع ترعة الإسماعيلية التي تغذي المدينة بالمياه العذبة، وتزامن ذلك مع نقص مخزون المياه.

كما استولى العدو على صهاريج المياه الاحتياطية بشركة النصر للأسمدة والنصر للبترول.

أما كميات الوقود السائل المتبقية في المدينة فلم تكن تكفي لاستهلاك أيام معدودة. البنزين 60 يوماً، والسولار 55 يوماً، والكيروسين 35 يوماً، وهذا هو شريان الحياة الحيوي لمحطات الإنارة وتوليد الكهرباء والأفران والمستشفيات ورفع المجاري والسيارات.

لكن الأهم والأخطر تمثل في أن احتمالات إعادة فتح الطريق ورفع الحصار تبدو في علم الغيب لأن مدة الحصار غير معروفة بالطبع، وسط احتمالات سادت بتجدد القتال مرة أخرى.

قبول التحدي

لكن المدينة قبلت التحدي، وبدأت تمارس حياتها كدولة مستقلة بكل مرافقها وتصرفاتها، وساعدها على ذلك النظام الذي وُضع لها في عام 1969 وأوجب ضرورة وجود تمثيل فعلي لكافة مصالح الحكومة والهيئات المختلفة، بحيث كان في بداية الحصار مندوبون عن كل أجهزة ووزارات الدولة.

بدأت المدينة أول خطواتها السليمة في 30 أكتوبر، فحصرت البشر الموجودين والإمكانيات المتاحة في جميع المجالات، وكانت هذه عملية ضرورية حتى يمكن على أساسها معرفة إمكانيات الاستيعاب والتوزيع والتحرك.

وأسفر أول تعداد للسكان عن وجود ما يزيد عن 1000 جريح ومصاب. كان هؤلاء يمثلون مشكلة من أكبر ما تواجه السويس من مشاكل في ظروفها الجديدة أثناء الحصار، من حيث الرعاية والتمريض والعناية الصحية.

فالمواطن السليم يمكنه شرب أي ماء وتناول أي طعام، لكن الجرحى يحتاجون إلى استعدادات خاصة في مدينة تمر بمثل هذه الظروف، حتى لا يصيب التلوث أي مريض أو جريح ويتسبب في انتشار حالات "الغرغرينا» التي قد تهدد كل أصحاب الجروح المفتوحة.

والحمد لله لم يظهر حالة واحدة طوال فترة الحصار. لكن المستشفى أخذت احتياطاتها، وقامت يوم 30 أكتوبر بتطعيم كل الموجودين في المدينة من عسكريين ومدنيين ضد الجدري والتيفود والكوليرا.

 

توزيع المياه

وبدأت المدينة تحل مشاكلها واحدة بعد الأخرى، وكانت المياه هي أخطر وأهم المشاكل، ليس بسبب حاجة الخمسة آلاف مدني الموجودين فيها إلى المياه، ولكن أيضاً لأن السويس كانت مسئولة عن إمداد قوات الجيش الباسلة في الشرق بالمياه منذ أن بدأت العمليات الحربية في 6 أكتوبر، وكذلك بسبب تمكن القوات الإسرائيلية من احتلال المحطات الأربع التي كانت خارج المدينة وتغذيها بالماء.

في تلك الفترة كان مخزون المياه بالمدينة يصل إلى 13 ألف متر مكعب، وكان أغلبه في محطة هيئة القناة، ولخطورة التخزين في مكان واحد تم نقل 3377 متر مكعب إلى منطقة أخرى هي مصنع «ثلج جركو» وتخزينها هناك كنمطقة بديلة.

كانت هذه الكمية هي الموجودة، والمطلوب أن يشرب منه خمسة آلاف فرد في المدينة وما لا يقل عن خمسين ألف جندي في الضفة الشرقية، إلى جانب تغطية احتياجات المخابز والمستشفى والمطاعم لمدة غير محدودة وغير معروفة.

وكان الحل الذي قررته السويس دون أوامر إدارية أو عسكرية، أن يُصرف لكل فرقة من القوات المسلحة بالضفة الشرقية 50 متراً مكعباً يومياً من المياه، إضافة إلى صرف خمس أمتار مكعبة للمخابز، وثلاثة أمتار مكعبة للمستشفى.

أما الأهالي فكان عليهم أن يتصرفوا، فحفروا الآبار القديمة التي كانت موجودة في المدينة قبل حفر ترعة الإسماعيلية ووصول المياه العذبة في 20 ديسمبر 1863. وكان أكبرها بئر «الغريب» الذي تم تحليل مياهه ووُجدت صالحة للشرب.

صحيح أنها لم تكن في عذوبة ماء النيل لكن العذوبة لا تهم في هذه الظروف. وكان تصريف البئر حوالي لترين في الدقيقة وتم التصريح للمواطنين باستخدام مياهه في كافة الأغراض، وبعد ذلك تم حفر بئر في منطقة مشتل المحافظة.

كما قام بعض المواطنين بحفر عدة آبار بمناطق متفرعة من المدينة، إلا أنها لم تسفر عن الحصول على مياه صالحة للشرب، فضلاً عن ضآلة الكمية المنصرفة منها، ولذلك لم تُخصص للشرب بل لأغراض النظافة فقط.

وفي مثل هذه الظروف، كان لابد من محاولة استخدام مياه البحر المالحة في سد احتياجات أخرى، وبالفعل اُستخدمت في أعمال النظافة وطرد مخلفات دورات المياه بالمساجد والمستشفيات والمحافظة وأماكن التجمعات الأخرى.

ولتوفير الوقود السائل، اُستخدم في نقل هذه المياه صهريج يجره البغال، وكان يتم نقل المياه المالحة من البحر بسواعد الرجال حتى يتم توفير الوقود الذي تستهلكه أي طلمبة سحب تدار بالسولار.

 

نقص الأطعمة

واجهت المدينة أيضاً نقصاً حاداً في الأطعمة، وكان كل المخزون في المدينة 428 صندوق لحوم محفوظة، و964 صندوق سردين، و416 صندوق بامية، و272 طن سكر، و49 كيلو شاي.

وكان المتبقي من رصيد الدقيق يوم 30 أكتوبر هو 1400 طن، وهي كمية لا تكفي إلا لاستهلاك شهر واحد فقط، وبالتالي كان لابد من تقييد صرف الخبز بحيث يتم صرف رغيفين فقط يومياً لكل مواطن في المدينة، فتم توحيد وزن الرغيف بحيث أصبحت الأفران تنتج نوعاً واحداً من الخبز وزنه 235 جراماً ويباع بعشرة مليمات.

وأصبح كل فرد من المدينة يحصل على رغيفين يومياً بالثمن المذكور عن طريق 7 مراكز توزيع، أما العسكريون فكان يوزع عليهم رغيفين يومياً مجاناً عن طريق القطاعات العسكرية.

وبدأت الناس تأكل أطعمة لم تكن أساسية من قبل، ولكنها أصبحت غذاءً رئيسياً في الظروف الجديدة، فأصبح الطرشي غذاء رئيسياً مع الخبز، وكذلك الفول السوداني، وأيضاً البصل والبلح. وكان كل يوم يمر تنقص كمية السلع الموجودة على أرفف البقالين.

وفي يوم 11 نوفمبر كانت المدينة لا يوجد بها أي كميات من الشاي أو الأرز، وكان مخزون العدس يكفي لمدة شهر فقط، والمسلي الصناعي لمدة أربعة شهور، والسكر ستة أشهر والصابون خمسة أشهر والزيت لمدة سنة، وكان السردين والمعلبات لا تكفي إلا لصرف الدفعة الجديدة الذي كان محدداً لها يوم 14 نوفمبر.

وفي يوم 14 نوفمبر، كان مخزون الدقيق لا يكفي إلا لاستهلاك 20 يوماً فقط، في وقت كان علي المدينة أن تقدم 20 ألف رغيف يومياً لقوات الجيش الباسلة في الضفة الشرقية.

وبناء على ذلك، أصدر محافظ السويس تأشيرة سرية للغاية إلى مدير التموين، تفيد بخفض وزن الرغيف، والاكتفاء بصرف رغيف واحد للناس بدلاً من رغيفين يومي السبت والثلاثاء.

وعلقت المخابز إعلاناً على مداخلها يفيد بإجراء صيانة للمخابز ووابور الكهرباء في هذين اليومين، وأن هذا سبب صرف رغيف واحد.ولم يكن ذلك صحيحاً ولكنها كانت «كذبة بيضاء» من أجل توفير الخبز للقوات المسلحة.

والعجيب أن الناس لاحظت أن وزن الرغيف قد نقص، وأن الأفران تنتج بكامل طاقتها يومي السبت والثلاثاء، وأنه لا توجد صيانة في المخابز أو وابور الكهرباء، وفهموا أن هذه الإجراءات تتم لكي يذهب إلى الشرق 20 ألف رغيف يومياً. لكن ابتسامة الرضا كانت على وجوه الناس، ولو طلب منهم أكثر من ذلك لقدموا.

المصدر

  • كتاب «خفايا حصار السويس.. 100 يوم يوم مجهولة في حرب أكتوبر 1973». حسين العشي.

محمد أحمد

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية