صالح حسب الله يكتب: الإرهاب بين الدين والعلمانية

صالح حسب الله يكتب: الإرهاب بين الدين والعلمانية

إن الدين لم يكن منفصلاً عن جميع جوانب مناحي الحياة، حتى السياسة والحرب، ليس بسبب وجود خلط في نشاطين مختلفين ومنفصلين، بل لأن البشر أرادوا أن يمنحوا وجودهم وأفعالهم القيمة والمعنى، ومن ثم كانت أيديولوجيا الدولة دينية بحتة عامة، كما دعت كل إمبراطورية ناجحة بأنها تحمل مهمّة إلهية، وبأن أعدائها أشرار، ضالون وطغاة، وبأنها ستجلب النفع للإنسانية، ولأن جميع هذه الدول والإمبراطوريات كانت قد أنشئت واستمرت بالقوة فإن الدين كان متورطاً في عنفها.

لقد ظل الدين حاضراً في كامل أطوار الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الغربي، حتى القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر؛ إذ عرف العالم تحولاً جذرياً في نمط التفكير، بأن ادَّعى البعض أن الدين كان المسئول الأكبر عن الاضطهاد والمعاناة من بين سائر المؤسسات البشرية، وبأنه هو الموصل والمؤدي الكبير لانبعاث العنف وصدوره، وبالتالي تمت الدعوة من قبل الفلاسفة والمفكرين إلى ضرورة فصل الكنيسة بوصفها الراعي الأسمى للدين وبين الدولة كونها الحامي القانوني للعَلمانية.

​​​​​​​

والحقيقة أن العنف لم يرتبط بالدين مطلقاً؛ بل وُلد من رحم الدولة القومية والدولة العَلمانية التي ادَّعت حفظ الإنسان وحمايته، وما الحربين الأولي والثانية إلا أكبر دليل علي تصاعد العنف صنعته النزعة القومية في الدول، فبدل أن يخرج الإنسان من حالة العدوانية الدينية المزعومة عن طريق المخرج العلماني للدولة، سقطوا في بربرية وهمجية أخطر من الأولي وأقصاها شدة.

وبدل أن يتم احتواء العنف عن طريق الدولة العلمانية وأجهزتها، أضحت المشكلة معقدة، بأن أصبحت الدولة في ذاتها تبحث عن الكيفية المثلى لكيفية إطلاقه (العنف) خدمة لمصالحها وتحقيقاً لمآربها، (إن كان بإمكاننا أن نعرف المقدس على أنه ذلك الشيء الذي يقبل البشر التضحية بحياتهم من أجله، فإن الأمة القومية، قد أصبحت بكل تأكيد تجسيداً لهذا المقدس والقيمة العليا له).

لقد جعلت الرؤية السياسية العَلمانية من الدين كبش فداء لكل خطايا الدولة القومية اليوم، وأن هذه المعضلة بالذات قد أفرزت لنا مشكلة واقعية أدت إلى خلل مفاهيمي لموضوع الدين بعد أن كان مفهوماً تفسيرياً شاملاً لكل جوانب الحياة في المجتمعات، أضحى بعداً أفقياً فردياً بين الله والإنسان.

ولقد أدى الطابع الاختزالي والتحيزي لمفهوم الدين الضيق في الرؤية العلمانية الغربية، والتي لا تشتغل إلا بمنطق القطع والفصل إلى غياب طريقة عامة في تعريف الدين، مقارنة مع أغلب الرؤى الكونية الأخرى.

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه  

شبابيك

شبابيك

منصة إعلامية تخاطب شباب وطلاب مصر