رحلة عبدالوهاب المسيري من الإلحاد إلى الإيمان.. هذه الطفلة لعبت الدور الأكبر

محطات حياتية عديدة مر بها المفكر عبدالوهاب المسيري الذي أعلن إلحاده في مرحلة عمرية مبكرة رافضاً الصلاة والصوم إلى أن يصل إلى اليقين، لكنه وجد ضالته في علامات محددة أعادته إلى طريق الإيمان بوجود الله. الدكتور عمرو شريف استعرض هذه المحطات في كتابه «خرافة الإلحاد».

أصل الكون

حينما كان المسيري في السنة النهائية في مدرسة دمنهور الثانوية أي في السادسة عشرة من عمره، بدأت بعض الأسئلة الأساسية تهاجمه بإلحاح شديد عن أصل الشر في العالم والحكمة من وجوده، وعن أصل الكون والإنسان. وشهد هذا العام بداية دراسته لمادة الفلسفة التي خلبت لبه تماماً، وساعدته على تنويع أسئلته وتعميقها وصياغتها بطريقة متبلورة.

لم يجد المسيري إجابة شافية لهذه التساؤلات سواء من أسرته أو أقرانه أو مدرسيه، ومن هنا شعر أن الإيمان الديني مسألة جُبن وإحجام عن التساؤل، فأعلن أنه لن يصلي أو يصوم إلى أن يجد إجابة علي أسئلته.

بعد ذلك، اتسعت دائرة الحوار مع بعض المثقفين بعد التحاقه بجامعة الإسكندرية. وكان في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية الذي التحق به مجموعة من الأجانب ممن لا يحجمون عن مناقشة مثل هذه الأمور بحرية بالغة، ما أتاح أمامه الفرصة لمزيد من الأسئلة إلى أن أصبح الشك مكوناً أساسياً في رؤيته.

رفاق الماركسية

ويقول المسيري «خلق ما اعتراني شك فراغاً في نفسي، فلم يعد من الممكن قبول الأطر القديمة، وكان لابد من أن يُملأ هذا الفراغ العقائدي أو الأيديولوجي، وبما أنني كنت ثائراً ضد الظلم الاجتماعي، كان من الحتمي تقريباً أن أتوجه للماركسية».

كان اهتمامي بالماركسية فكرياً (من خلال القراءة) في بداية الأمر، إلى أن التقى بي أحد أعضاء حدتو (الحزب الشيوعي) وجنّدني عضواً في الحزب عام 1955، ثم تم تصعيدي إلى مستويات أعلى في الحزب نظراً لمعرفتي باللغة الإنجليزية وبالمصادر الأولية للفكر الماركسي.

بعد فترة، بدأت ألاحظ أن السلوك الشخصي للرفاق كان متناقضاً مع جميع القيم الدينية والإنسانية، وأن النرجسية (الإعجاب بالذات) كانت متضخمة عند بعضهم للغاية، كما كانت الحريات الأخلاقية التي يسمحون لأنفسهم بها كاملة.

كذلك كانت ماركسية بعضعهم تنبع من حقد طبقي أعمى وليس من إيمان بضرورة إقامة العدل في الأرض، بل كثيراً ما كنت أشعر أن بعضهم كان ماركسياً بحكم وضعه الطبقي وحسب، وأنه لو سنحت له الفرصة للفرار من طبقته والانضمام للطبقات المستغلة الظالمة لفعل دون تردد وطلّق ماركسيته طلاقاً بائناً.

كذلك كانت صفوف الحزب تزخر بالأجانب وبأعضاء الجماعات اليهودية التي كانت تشتعل بالحماسة للحرب ضد فرانكو حاكم أسبانيا الديكتاتوري مع إهمال الجهاد ضد الصهاينة في فلسطينن، فقد كان هذا الجهاد يعد سقوطاً في قبضة الرجعية العربية، وكان حل الصراع العربي الإسرائيلي - في تصورهم - هو التحالف بين العمال والفلاحين اليهود والعرب ضد الرأسماليين والإقطاعيين اليهود والعرب.. لهذا كله قدم المسيري استقالته، وطلب أن يُعد من أصدقاء الحزب لا من أعضائه.

كلمة السر

ويمكن القول أن رحلة المسيري من الإلحاد إلى الشك ثم إلى الإيمان كانت رحلة علمية صِرفة، كان محركها الأول تأمله لطبيعة الإنسان المركبة، فلم يكن انتقاله من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية عملية سهلة.

عن ذلك يقول المسيري: «لم أدرك أن هناك قانونين: أحدهما للإنسان والآخر للمادة، وليس قانوناً مادياً واحداً يسري على كليهما. لقد كان الانتقال عملية طويلة شاقة استمرت أكثر من ربع قرن، فالفلسفة المادية فلسفة مريحة تختزل الواقع والوجود الإنساني في قوانين المادة، لذا فهي قادرة على تزويد الإنسان بأجوبة واقعية وسريعة ومريحة».

وقد ساعد المسيري في هذا التحول عدة عوامل منها ابنته نور، فيقول: «حينما رزقني الله ابنتي نور، وجدت نفسي أنا العقلاني المادي أواجه معجزة جعلتني أغرق في تأمل هذا الكائن الجديد الذي دخل حياتي: هل يمكن أن يكون نتيجة تفاعلات كيمائية وإنزيمات وغدد وعضلات فقط؟ هل هذا الإنسان هو جماع أعضائه المادية وثمرة المصادفة، أم أن هناك شيئاً ما يجاوز السطح المادي؟.. هل الإنسان فعلاً جزء من الطبيعة، خاضع لقوانينها وأهوائها، أم أن فيه أسراراً وأغواراً؟، لقد أصبحت ظاهرة الإنسان بالنسبة لي ظاهرة غير مادية غير طبيعية، معجزة بكل المعايير المعروفة لدي».

الله والدين

بدأ المسيري يعيد حساباته الفكرية مرة أخرى فتوصل إلى وجود الله، فذكر «إن وجود الله هو الضمان الوحيد لوجود الإنسان بجزأيه المادي وغير المادي، فالله هو الجوهر الذي يتطلع إليه الإنسان لينطلق من طينته، ومن ثم بغياب الله يتحول الإنسان إلى مادة طبيعية صماء، خاضعة لقوانين المادة التي يمكن حصرها ودراستها والتحكم فيها، وكذلك بغياب الله يتحول الإنسان إلى كم مادي يمكن تفسيره في إطار مجموعة من المعادلات الرياضية الميتة التي يمكن معرفتها والتنبؤ بها».

وعن الدين يقول: «اكتشفت الدين كنموذج معرفي متكامل وليس مجرد جزء ليس له أهمية في حد ذاته، وأدركت أن المكوّن الديني ليس مجرد قشرة وإنما هو من جذور الكيان والهوية، كما بدأت أشعر أن الدين ذو فعالية في الواقع المادي الذي نحياه وليس جزءًا مغلقاً من عالم الغيب».

المصدر

  • كتاب «خرافة الإلحاد». الدكتور عمرو شريف.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا