قصة المناضل المغربي عبد الكريم الخطابي وحربه مع الإسبان


قصة الثائر المغربي عبد الكريم الخطابي وحكايات مع فاروق وعبد الناصر

قاض شرعي، ومدرس، وصحفي، ومجاهد، وأمير، ورئيس دولة.. كل هذه الصفات اجتمعت في شخصية فريدة هو الأمير محمد عبدالكريم الخطابي، والذي سُطر اسمه بحروف من نور في قائمة من وقفوا ضد استعمار بلادهم.

وُلد محمد عبدالكريم في بلدة أجدير بالريف المغربي التي تقع بين مليلة وتطوان سنة 1883، ودرس القرآن واللغة العربية، وذهب لإكمال دراسته، إلى مليلة وجامعة القرويين بفاس، وعاد منها ليُعين نائباً للقاضي في مليلة، ثم قاضياً، ثم صار أقضى القضاة (قاضي القضاة)، ولم يكن عمره تجاوز آنذاك الثالثة والثلاثين، وهذا دليل على نبوغه المبكر خاصة أنه كان يكتب للصحف، ويقوم بالتدريس في بعض المدارس.

مقاومة الإسبان

كان أبوه أميراً على البربر في الريف المغربي، وجاهد معه في الحرب العالمية الأولى مع الدولة العثمانية سنة 1915.

واعتقل الأسبان الذين كانت بأيديهم سبتة ومليلة محمد 4 أشهر ليضغطوا على أبيه حتى يكف عن الجهاد، لأن الأسبان كانوا يريدون التوسع واحتلال باقي مناطق المغرب الأقصى الشمالية.

لكنهم لما حققوا مع الابن فاجأهم بألوان من العزة والثبات، وأخبرهم أنه لا مناص له ولا لأبيه من القتال مع الدولة العثمانية، فاضطروا لسجنه، لكنه تدلى بحبل من السجن ليفر، إلا أن الحبل كان قصيراً فتأرجح في الهواء ورمى بنفسه، فانكسرت ساقه وأغمى عليه من الألم، فعثر عليه الأسبان وأعادوه إلى السجن، حيث مكث أربعة أشهر ثم أطلقوا سراحه.

الانتصار على الأسبان

وخلال إحدى المعارك مع الأسبان، قتل والده عبد الكريم في معركة سنة 192، وقيل إنه مات مسموماً.

على كلٍ، بدأ الأمير محمد سلسلة من المعارك مع الأسبان وكان معه أخوه الذي نُفي معه فيما بعد، وعمه عبد السلام، فابتدأهم الأمير بمناوشات أسفرت عن طردهم من حاميتين مهمتين، فأرسل الأسبان جيشاً من 60 ألف جندي وطائرات وعتاد ضخم، لكن جيش الخطابي البالغ عدده ثلاثة آلاف جندي فقط انتصر عليهم نصراً كاسحاً، وأسر منهم كثيرين، وطّهر الريف المغربي منهم، وحصرهم في سبتة ومليلة فقط، وأقام إمارته على مساحة 20 ألف كيلومتر، وكان سكانها قرابة نصف مليون نسمة.

أثارت انتصارات الخطابي مخاوف فرنسا التي كانت تحتل الجزائر، فاتفقت مع أسبانيا على إرسال جيش كبير قوامه نصف مليون جندي، في الوقت الذي حاصر فيه الأسطول البريطاني جيش الخطابي.

ورغم ذلك أبلى الخطابي وجيشه بلاءً حسناً، لكن المعركة انتهت في النهاية بهزيمة الخطابي لأسباب عديدة، منها أن جيشه كان عدده مقارنة بجيش فرنسا وأسبانيا، فضلاً عن أن بعض الطرق الصوفية خانته ووزعت منشورات تقول إن القتال معه ليس من الجهاد، كما خانه بعض رؤساء القبائل الذين اشتراهم الفرنسيون فكانوا ينهون شبابهم عن القتال مع الخطابي.

الاستسلام والنفي

كان الخطابي يرفض الاستسلام رفضاً باتاً، لكن من بقوا معه أشاروا عليه بحقن الدماء، فالطائرات كانت تقذف بالغازات السامة والقنابل وتقتل الرجال والنساء والأطفال، فطلبوا منه عقد صلح مشرف والبقاء في البلد والاستعداد للقتال في أقرب فرصة.

ورغم ذلك، واصل الفرنسيون قذف القرى بالطائرات، ولما سلم الخطابي نفسه - بعد كتاب صلح موثق وعلى أن يبقى في الريف – خانوا عهدهم معه، ونفوه إلى جزيرة رينون في المحيط الهادي شرق مدغشقر لمدة 21 سنة.

وفي العشر السنوات الأولى من منفاه، مُنع الخطابي في السنوات العشر الأولى كل وسيلة اتصال بالعالم الخارجي، فحرموه من الصحف والمجلات ومن كتبه التي أتى بها معه.

فاروق وناصر

بعد ذلك، بدا للفرنسيين أن يعيدوه إلى فرنسا، فأتت به سفينة من الجزيرة ومرت بعدن، فتسامع اليمنيون والعراقيون والفلسطينيين بمرور سفينة الخطابي، وأبرقوا لمصر وطلبوا من المكتب المغربي فيها أن يحتالوا لإنزال الخطابي من السفينة، وكانت سفينة تجارية، فدبر عبد الرحمن عزام الذي كان أول رئيس للجامعة العربية الأمر مع الملك فاروق، وكان ذلك سنة 1947.

وصعد عزام برجال إلى السفينة وطلبوا من قائدها أن ينزل الخطابي لمقابلة الملك والسلام عليه هو وأخوه وعمه عبد السلام، وجرت الحيلة على القبطان، وسمح بنزول الخطابي، فأبقته مصر لديها، وهنا قامت قيامة فرنسا وثارت لكن بعد فوات الأوان، حتى أن فرنسا اتهمت مصر وقتها بالغدر والخيانة.

اتصل الخطابي بدعاة مصر وكبارها، وعُين رئيساً للمكتب المغربي بالقاهرة، وكان أخوه نائباً عنه، وعمل مع بعض أعضائه لمقاومة الاستعمار في بلاده.

وعندما قامت ثورة يوليو 1952، فترت العلاقة بين الخطابي وتنظيم الضباط الأحرار، ولم يكن هناك تواصل بينهما إلى أن مات سنة 1962، ودفن في مقبرة الشهداء بالقاهرة.

المصدر

  • كتاب «عظماء منسيون في العصر الحديث. الجزء الأول». محمد بن موسى الشريف.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا