في زمن كانت طوائف متعددة تحيا جنبا إلى جنب دون صراعات دينية أو سياسية، كان اليهود ينعمون بحياة مستقرة داخل مصر، يحتلون مناصب في جميع المجالات من تجارة واقتصاد وفن وغيرها، ولكن ذلك الحال لم يدم كثيرا؛ حيث مروا بعدة تطورات متتابعة غيرت أحوالهم رأسا إلى عقب.

البداية

شهدت فترة الرأسمالية المصرية في حكم الأسرة العلوية بداية الطائفة اليهودية في مصر؛ حيث لم تعد أعمال اليهود قاصرة على إدارة بعض المصالح الحكومية وتأسيس شركات مراهنات تعتمد على الفائدة المادية، بل ساهموا في تنمية الاقتصاد المصري من خلال تكوينهم قوى اقتصادية وتجارية صلبة، وتأسيسهم بنوك وشركات ومصانع؛ ما أدى إلى ثرائهم بشكل كبير، وشهرة أسماء عدة عائلات منهم.

عائلات اليهود

وكان بين تلك عائلات: عائلة موصيري ذات الأصول الإيطالية، والتي كان كبيرها نسيم بك موصيري الذي هاجر إلى مصر عام 1749، وناسب عائلة أخرى شهيرة وهي عائلة قطاوي، التي كان كبيرها يعقوب بك قطاوي.

وكان للعائلة الأولى نشاطات تجارية كثيرة أبرزها إنشاء بنك موصيري وعدة دور للسينما وفندق مينا هاوس وفندق سان ستيفانو بالإسكندرية. أما عائلة "قطاوي"، فأسست معامل لتكرير السكر، ودور أيتام، واحتكروا صناعة الملح والصودا.

ذلك بجانب عائلة عدس التي أسست عدة محلات بالشراكة مع رجال أعمال يهود آخرين، ومنها: عمر أفندي وريفولي وبنزايون. وهناك عائلة سوارس التي أسست البنك الأهلي والبنك العقاري، وشكرة لنقل الركاب من خلال صناعة عربات أطلق عليها المصريون اسم "سوارس".

العالم المسحور.. المغرب ومدينة الألوان والجمال والصوفية

الفنانون اليهود

كما شهدت مصر في فترة ما قبل ثورة يوليو انسجاما بين جميع طوائف المصريين باختلاف دياناتهم؛ فعملوا جنب إلى جنب في العديد من المجالات، وبينها الفن.

وكان أبرز هؤلاء العاملين في مجال الفن المخرج توجو مزراحي، الذي أسس شركة للإنتاج السينمائي، وشارك المخرج أحمد بدرخان في تأسيس أول نقابة للسينمائيين في مصر، والفنانة نجمة إبراهيم الشهيرة بدور "ريا" في سلسلة أفلام "ريا وسكينة"، والمطربة المحبوبة ليلى مراد، وأخيها الملحن منير مراد، والفنانات راقية إبراهيم، كاميليا نجوى سالم، وفيكتوريا كوهين، بجانب إلياس مؤدب، وسلامة إلياس، وشالوم، والراقصة الاستعراضية كيتي.

ثورة يوليو

ولكن ذلك الوضع اختلف تماما عقب اندلاع ثورة يوليو عام 1952، وصدور قرارات بتأميم الشركات الأجنبية، في الوقت الذي كان فيه أكثر من 90% من اليهود غير حاملين للجنسية المصرية. ذلك بجانب فضيحة عملية "لافون" عام 1955، والتي حاول فيها الموساد الإسرائيلي إفساد العلاقة بين مصر والدول الأجنبية من خلال إظهار عجز السلطة عن جماية المؤساات الأجنبية.

كما دفعت حرب السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، معظم اليهود إلى ترك مصر بشكل نهائي، خصوصا مع تزايد خوف كثير منهم أن يقوم جمال عبد الناصر بإحراقهم مثلما فعل هتلر باليهود في ألمانيا. وبعد أن وصل عددهم في بداية القرن العشرين إلى حوالي 100 ألفا، لم يتبق منهم قبل نهاية هذا القرن، سوى عشرات الأشخاص استقر أغلبهم في حارة اليهود بالموسكي.

حارة اليهود

بداخل حي الموسكي في منطقة الجمالية، توجد حارة اليهود، والتي تضم حوالي 360 زقاقا، وتم إنشائها عام 1848 م، وكان بها العديد من المحال التجارية عمل بها مسيحون ومسلمون بجانب اليهود أيضا، وخاصة الفقراء منهم. ذلك بالإضافة إلى حوالي 11 معبدا لم يتبق منها سوى ثلاثة معابد؛ إذ باع اليهود البقية منهم.

وفي بداية الألفية، كان منزل ماري اليهودية المصرية الأخيرة بحارة اليهود معلم أثري حقيقي يشهد على حياة امرأة يهودية رفضت الرحيل عن مصر بالرغم من تعرضها لضغوطات عدة من قبل سفارة إسرائيل بالقاهرة، تهدف إلى ترحيلها عن مصر.
نظرة في سلوك المصريين تجاه العرب.. عداوة ينكرها الواقع

مصير أهل الفن من اليهود

وبين أهل الفن من اليهود هناك من طالته اتهامات بالصهيونية قبيل قيام الثورة عقب حرب فلسطين عام 1948، ما دفعهم إلى الهجرة، مثل المخرج توجو مزراحي، الذي هاجر إلى إيطاليا عام 1948 وليس إسرائيل. كما أن هناك منهم من هاجر من مصر بإرادته مثل الفنانة راقية إبراهيم التي هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وامتلكت متجرا في نيويورك لبيع المنتجات والتحف الإسرائيلية.

ذلك بجانب من أيد الثورة قلبا وقالبا مثل الفنانة نجمة إبراهيم، والتي تبرعت بإيرادات حفل افتتاح مسرحيتها "سر السفاحة ريا" عام 1955 بهدف تسليح الجيش المصري، وعندما عانت من ضعف البصر، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بعلاجها في إسبانيا على نفقة الدولة عام 1965، وعادت في حالة أفضل كثيرا.

ومن ناحية أخرى، هناك من الفنانين اليهود من رفض الخروج من مصر وصرح بأنه سوف يموت ويدفن بداخلها مثل الفنانة سلامة إلياس، والفنان إلياس مؤدب الذي رفض الهجرة إلى إسرائيل، وتم اتهامه بالتجسس، ثم أثبتت براءته لاحقا، ولم يترك مصر حتى وفاته.

وعزز بعض الفنانين من قرارهم برفض الخروج من مصر من خلال إعلان إسلامهم، مثل ليلى مراد وأخيها منير مراد والفنانة نجوى سالم والفنانة فيكتوريا كوهين.

حال يهود مصر الآن

وبالرغم من وجود 12 معبدا يهوديا، أشهرهم المعبد اليهودي، و4 مقابر و5 مدارس خاصة باليهود في أنحاء مختلفة بمصر، إلا أن أعداد اليهود المقيمين بمصر بات يندثر تدريجيا حتى وصل إلى أقل من عشرة أشخاص، وذلك ما أكده الفيلم الوثائقي الذي قام بإخراجي "أمير رمسيس" عام 2010، بعنوان "عن يهود مصر"؛ حيث أظهر بعض ممن تبقى من اليهود في مصر، أو ممن سافروا إلى فرنسا وناضلوا ضد الكيان الصهيوني.

ويقول الصحفي مدحت صفوت لـ"شبابيك"، إن هناك وجهتي نظر خاصة ببداية تواجد اليهود في مصر، إحداهما تقترح أنهم كانوا موجودين بالفعل ثم هاجروا وجاءوا مجددا، والأخرى تقول إن تواجدهم بداخل مصر كان منذ عهد الدولة الحديثة في العصر القديم.

كما يضيف أن اليهود في مصر والدول العربية كانوا أفضل حالا من يهود الغرب من حيث طرق التعامل معهم، وازدهار أعمالهم التجارية والاقتصادية.

ويرى "صفوت" أن اليهود يواجهون مشكلة عالمية بصفة عامة، وذلك بسبب أن ديانتهم ليست دعوية، ما يجعلهم لا يندمجون في أي مجتمع من حولهم، سواء المصري أو في أي دولة أخرى.




2
0
0
0
0
0
0