خلال الفترة من 1974 حتى 1981 تولى الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين كتابة عدد من خُطب الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وشهد بعضها جدلا ونقاشات بينهما بسبب اختلاف وجهة نظرهما حول بعض القضايا، بينما اتفقت رؤيتهما في خُطب أخرى. الدكتور عماد عبداللطيف روى ذكريات «بهاء الدين» مع خُطب الرئيس الراحل في كتابه «الخطب السياسية في العصر الحديث».

 كشف أحمد بهاء الدين أنه كتب خطبة عيد العمال في أول مايو 1976، وخطبة افتتاح البرلمان في نفس العام، وخطبة مرور ربع قرن على حركة يوليو في 1977، لكنه رفض كتابة خطبة السادات التي أعقبت انتفاضة يناير 1977.

المنابر والأحزاب

يحكي «بهاء الدين» أن السادات طلب منه إعلان تحويل المنابر السياسية (الوسط واليمين واليسار) إلى أحزاب في خُطبة افتتاح البرلمان في نوفمبر 1976، وهو ما رآه «بهاء الدين» مخالفاً للدستور.

ويصف «بهاء الدين» في كتابه «محاوراتي مع السادات» الخلاف الذي نشأ مع السادات حول هذه النقطة قائلاً: «لم يكن هناك مجال لمناقشات طويلة عما سوف يرد في الخطاب بوجه عام، إلا نقطة واحدة أدت إلى نشوب الجدل والنقاش بيننا إلى ما بعد منتصف الليل. قال لي السادات إنه سعيد عموماً بالانتخابات، وأنه يعتقد أن تجربة المنابر الثلاثة قد نجحت، وأنه يريد أن يعلن في جلسة افتتاح البرلمان قراره بأن تتحول المنابر على أحزاب».

السادات برر قراره بأن المنابر الثلاثة خاضت الانتخابات على أنها أحزاب بالفعل، وقدمت للناخبين برامج مختلفة وتصارعت على هذا الأساس فلم يبق إلا إعلان تغيير اسمها لتكون في مصر حياة برلمانية حزبية.

قال السادات لأحمد بهاء الدين: «يا أحمد، لازم تكون عرفت طريقتي! طريقتي أن أعلن قراري، وبعد كده نشوف. إذا كان عايز تعديل نعمل تعديل، وإذا كان عايز قانون نعمل قانون، لأني لو قعدت أدرس في كل قرار علشان يطلع ما يخرش الميه، يبقى عمري ما حاطلع قرارات!!.. كفاية أعلن في الخطاب قيام الأحزاب، وبعد كده نشوف إيه اللي يحتاجه الموقف».

وبناء على ذلك قال «بهاء الدين» للرئيس إن هذه خطوة عظيمة، ولكن هناك مشكلة بسيطة وهي إن الدستور لا ينص على وجود أحزاب، والحل البسيط هو أن يعلن الرئيس في خطاب الافتتاح هذا الرأي، وأن يطلب في الوقت نفسه أن تجتمع اللجنة التشريعية في البرلمان على الفور لإعداد مشروع التعديل الدستوري اللازم لقيام الأحزاب.

وبحسب «بهاء الدين»: «لم يوافق السادات على هذا الرأي، ولذلك كان طبيعياً أن لا أوافق السادات على ما ذهب إليه في هذا الشأن».

وأنهى السادات الحوار الطويل بعد منتصف الليل بأن قال لـ«بهاء الدين»: «يا أحمد، لازم تكون عرفت طريقتي! طريقتي أن أعلن قراري، وبعد كده نشوف. إذا كان عايز تعديل نعمل تعديل، وإذا كان عايز قانون نعمل قانون، لأني لو قعدت أدرس في كل قرار علشان يطلع ما يخرش الميه، يبقى عمري ما حاطلع قرارات!!.. كفاية أعلن في الخطاب قيام الأحزاب، وبعد كده نشوف إيه اللي يحتاجه الموقف».

وحسبما ذكر «عبداللطيف» انتهى الجدل بين «بهاء الدين» والسادات بقبول الكاتب لطريقة الحاكم، وقيامه بكتابة ما يرغب في قوله. والملاحظة الأهم هي كيف قام حوار دقيق وعميق بينهما، وكيف كان السادات حريصاً على الإنصات الكامل لحجج «بهاء الدين»، ومحاولة تفنيدها، وبالمثل كيف كان «بهاء الدين» حريصاً على الاستماتة في الدفاع عن فكرته التي تتناقض مع فكرة الحاكم.

الجماعات الإسلامية

لكن «بهاء الدين» أفلح في أن يثني السادات عن قول ما لا يرغب في كتابته، وأقنعه بالتخلي عن فكرة كان يرغب في أن يقولها عبر الخطبة. روى «بهاء الدين»: «استدعاني السادات مرة إلى الإسكندرية، وقال لي إنه قرر التصديق على الحكم الذي أصدرته المحكمة بالإعدام على المتهمين في قضية الفنية العسكرية، أي صالح سرية وجماعته الذين حاولوا الاستيلاء بالقوة على الكلية تمهيداً لمحاولة انقلاب ساذجة، سقط فيها 17 قتيلاً، ثم قال لي إنه يريد أن يظهر على شاشة التلفزيون ويلقي خطاباً يشرح فيه للناس لماذا قرر التصديق على حكم الإعدام».

تابع «بهاء الدين»: «قلت له فزعاً. من أشار عليك يا ريس بذلك؟ هذه مشورة سيئة النية إلى آخر الحدود.. لقد تمت المحاكمة، وأصدرت المحكمة الحكم بالإعدام، وأحيلت الأوراق إلى المفتى الذي صدّق على الحكم، وأنت قررت أن تمارس اختصاصك وتصدق بدورك عليه. فلماذا تريد أن تخرج على الناس وتلقي خطاباً تشرح فيه حيثياتك لتنفيذ الإعدام؟! إنني يا ريس لست مستعداً لان أكتب حرفاً واحداً من هذا الخطاب!! وأنصح بشدة ألا تفعل ذلك».

واستطرد: «يومها شعر السادات وكأنه كان سيقدم على غلطة كبيرة، فعدل عن قراره الذي أحضرني من القاهرة على الإسكندرية بسببه، وشكرني على هذا الرأي».

إقناع السادات بالعفو عن المساجين

وقد ينجح الكاتب في إقناع الحاكم بقول فكرة أو اتخاذ قرار ما في خطابه، ربما لم تكن لتخطر بباله أبداً قبل أن يشير الكاتب إليها. يحكي «بهاء الدين» أن السادات استدعاه لكتابة خطبته في الذكرى الـ25 لحركة يوليو، وطلب منه السادات أن يفكر فيما يمكن أن يقوله في هذه الخطبة.

اقترح أحممد بهاء الدين، أن يعلن السادات في خطبة ذكرى ربع قرن على ثورة يوليو عن عفو شامل عن المسجونين السياسيين منذ 1952 حتى 1977.. يحكي بهاء الدين: «نظر السادات إلي في دهشة من بُوغت بشيء غير متوقع، ثم سألني: ماذا تقصد بحكاية العفو الشامل؟ قلت له: أن تقول للناس جميعاً على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم اذهبوا فأنتم الطلقاء».

اهتدى «بهاء الدين» إلى اقتراح أن يعلن السادات في هذه الخطبة عن عفو شامل عن المسجونين السياسيين منذ 1952 حتى 1977: «نظر السادات إلي في دهشة من بُوغت بشيء غير متوقع، ثم سألني: ماذا تقصد بحكاية العفو الشامل؟ قلت له: أن تقول للناس جميعاً على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وأكمل «بهاء الدين»: «كان واضحاً لي أن الرئيس السادات قد انشرح صدره للاقتراح بالفعل، بل وصار متحمساً له، إذ كرر لي شكره على الاقتراح، قائلاً: إن مشوارك من الكويت برضه جه بفايدة. وعدت إلى القاهرة، وأرسلت الخطاب كاملاً ومكتوباً على الآلة الكاتبة، وفي ختام الخطاب بضع فقرات تحدثت عن قرار العفو الشامل».

ويستطرد «أخذ السادات يلقي الخطاب بحذافيره، حتى وصل إلى الجزء الأخير وألقى مقدمة الختام أيضاً بحذافيرها، ثم أنهى خطابه دون أن يقرأ الأسطر الأخيرة التي تعلن عن العفو الشامل».

الكاتب يصطدم بالحاكم في انتفاضة الخبز

وقد تصطدم أفكار ورؤى وتوجهات الكاتب مع الحاكم، فيختار الصمت بديلاً لكتابة شيء لا يقبل به. هذا الاختيار هو الذي يفسر موقف «بهاء الدين» من كتابة خطبة السادات إثر أحداث انتفاضة يناير 1977.

لقد رفض «بهاء الدين» كتابة الخطبة التي اعتزم السادات إلقاءها بعد مظاهرات يناير 1977، فبعد ساعات طويلة من النقاش بينهما وضح الاختلاف بين موقف الرئيس الذي يسعى لتقديم الحدث على أنه انتفاضة حرامية وعملاء وملحدين، وبذلك يكون المخرج هو اللجوء إلى الحديد والنار، والضرب بشدة وبلا هوادة، وموقف الكاتب الذي يرى أن الحدث مجرد احتجاج شعبي على أوضاع اجتماعية واقتصادية مزرية.

استمرت المناقشات بين الطرفين إلى منتصف الليل كل منهما يحاول إقناع الآخر بوجهة نظره. قال بهاء الدين «اختلفنا واقعياً حول كل شيء حتى أنه كان يقول لي: سأتركك تتمدد وتستريح في الحجرة نصف ساعة وأعود إليك. وكان الرئيس قد أدرك بوضوح أنني لن أشارك بكتابة مشروع خطاب فيما تصورت أنهم مقدمون عليه.

وسكت طويلاً ثم قال لي في لهجة رقيقة ومجاملة: «طيب يا أحمد، تقدر تروح تستريح، واعتبر إنك لا صلة لك بهذا الموضوع كله! وودعني في مجاملة شديدة. وإن كنت أيضاً حملتها على محمل الوداع الذي لا لقاء بعده».




المصدر

*كتاب «الخطابة السياسية في العصر الحديث». الدكتور عماد عبداللطيف.    *كتاب «محاوراتي مع السادات». أحمد بهاء الدين.

 

0
0
0
0
0
0
0