جاء إسماعيل ياسين من السويس إلى القاهرة باحثاً عن مكان له في عالم الفن، وبمهوبته الفريدة تربع على عرش نجومية الضحك وملك قلوب المصريين بلا منازع، إلا أن عجلة الأيام دارت دورتها، فرحل عن الدنيا ولم يكن يملك ثمن تذكرة طبيب أو سعر الدواء.

كيف وصل جوكر الضحك المصري إلى قمة سُلم النجومية؟ وكيف انتهى به المطاف إلى هذه المحطة المأساوية؟ هذا ما روته أمل فؤاد عريان في كتابها «الضاحكون الباكون».

طفولة بائسة

ولد إسماعيل ياسين بمدينة السويس في 1912 لأب يمتلك محلاً لصياغة الذهب، لكنه كان مسرفاً للغاية، فتسبب في أن يعيش ابنه طفولة بائسة خاصة بعد وفاة والدته حزناً وكمداً على حال الأب المبذر الذي انزلق إلى حياة الليل تاركاً زوجته وابنه لآلامهما.

لم يستطع الأب أن يعيش طويلاً بدون زوجة، لتكون زوجة الأب السبب في تحويل حياة «إسماعيل» إلى جحيم، لم يستطع على إثرها أن يستكمل تعليمه بالمرحلة الابتدائية، ليترك والده ويعيش مع جدته لأمه والتي لم ترحمه هي الأخرى فصبت جام غضبها عليه لكرهها الشديد لوالده المتسبب في وفاة ابنتها.

لم يجد الطفل سبيلاً إلا الهرب من منزل جدته ليعمل منادياً للسيارات. لعبت الصدفة دورها في أن يكون عمله أمام محل به «فونوغراف» يذيع باستمرار أغاني محمد عبدالوهاب، والتي لعبت دوراً مهماً في عشق «إسماعيل» للغناء.

أرض الأحلام

جرّب «إسماعيل» حظه كمطرب في أفراح الأصدقاء والمعارف بالسويس، حتى قرر النزوح إلى القاهرة وهو لا يملك إلا 6 جنيهات فقط، استأجر بها حجرة صغيرة بحي السيدة زينب.

أخذ يطرق أبواب الإذاعات الأهلية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، ولكن ملامحه وقفت عائقاً أمام اختياره كمطرب واعتبروه مقلداً ساخراً لعبدالوهاب، فأصبح يثير ضحكاتهم ولم يستطع أن يطربهم.

أمام هذا الفشل التحق بالعمل ككاتب لمحامي. اصطحبه يوماً لأحد الأفراح فغنى فيها أغنية «أيها الراقدون تحت التراب» لعبد الوهاب ما أثار غضب الحاضرين.

كان من بين المدعوين ملحن شاب يدعى عزت الجاهلي نصحه بأنه لا يصلح ليكون مطرباً ولكن ملامحه تؤهله لأن يكون مونولوجستاً. وكانت هذه النصيحة هي نقطة التحول في حياته وبدأ إعداد نفسه لكي يكون كذلك.

والمونولوجيت هو الشخص الذي يمتلك القدرة على إضحاك الناس من خلال تقليد المشاهير، كما لأنه يجيد السخرية الممزوجة بالفكاهة.

اقرأ المزيد

شكوكو.. «الأراجوز» الذي أحبه الناس فصنعوا له تماثيل من الحلوى

امتلك شكوشكو موهبة الغناء وأخذ يتسلل للمقاهي في شارع محمد علي مشاركاً في الحفلات الغنائية والتي كانت من طقوس المقاهي آنذاك.

بدأ إسماعيل ياسين يطرق أبواب الإذاعات الأهلية هذه المرة كمنولوجست، فقدم العديد من المنولوجات دون أن يحصل على مقابل مادي، مكتفين بما قدموه له من دعاية.

وفي عام 1934 افتتحت الإذاعة المصرية رسمياً، وتعاقد «إسماعيل» معها مقابل 4.5 جنيه شهرياً، على أن يقدم مونولوجاته مرتين في الأسبوع إضافة إلى بعض الحفلات التي كانت تقدمها الإذاعة خاصة في المناسبات الرسمية، فكانت فرصته الذهبية للشهرة والانتشار.

سطع اسم «إسماعيل» في عالم المنولوجست، فالتفتت إليه السينما لاستغلال شهرته وتدعيم الأفلام بخفة ظله، فقدمه المخرج فؤاد الجزايرلي في دور صغير في فيلم «خلف الحبايب» عام 1939، ثم شارك بعد ذلك في عدد من الأفلام التي وضعت قدمه على طريق النجومية.

ومثّل عقد الخمسينات العصر الذهبي لإسماعيل ياسين، إذ شهد قيامه بأدوار البطولة بعد أن التفت إليه مخرجو تلك الفترة خاصة بعد رحيل نجم الكوميديا الأول نجيب الريحاني وتوقف على الكسار عن العمل. في هذه الفترة لعب «إسماعيل» بطولة عدد من الأفلام، بل إن بعضها حملت اسمه مثل «إسماعيل ياسين في البوليس» وهذا لم يتكرر مع أي فنان آخر.

بداية النهاية

تمثل مرحلة الستينات بداية النهاية لإسماعيل ياسين. فلعب أدوار البطولة ولكن بشكل لم يرق لأفلام الخمسينات، خاصة بعد أن قدم عدداً من الأفلام ذات الانتاج اللبناني، ما دفعه للاتجاه للمسرح حتى يستطيع الصمود أمام فرق التلفزيون التي ظهرت بأبطال الكوميديا الجدد آنذاك مثل فؤاد المهندس، وعبدالمنعم مدبولي، وشويكار.

أسس «إسماعيل» مع صديقه أبوالسعود الإبياري فرقته المسرحية التي قدمت عدداً من المسرحيات كان آخرها مسرحية «حكاية جواز» التي فشلت في الصمود أمام مسرح التلفزيون وأبطاله الجدد.

لم يكن مسرح التلفزيون فقط هو سبب فشل الفرقة، وإنما أيضاً عدم اهتمام إسماعيل ياسين بتطوير فرقته مكتفياً بالاستعانة بالممثلين والممثلات المعروفين دون الاتجاه إلى التغيير والتطوير لموضوعات مسرحياته، كما أنه لم يطور نفسه بتجديد الشخصيات التي يقدمها بما يتلائم مع المراحل العمرية التي مر بها، فكان طبيعياً أن ينصرف عنه جمهور مسرحه.

تراكم الديون

 كان ابتعاد الأضواء السينمائية والمسرحية عن إسماعيل ياسين نذيراً بقرب نهايته. وحدث ذلك بالفعل عام 1966 حينما سقط على خشبة المسرح أثناء أدائه لدوره في أحد عروض المسرحية. ولاحقته آلام النقرس وتسببت في منعه من الوقوف على خشبة المسرح، ما ساعد على سوء حالته المادية وتراكم الديون والضرائب التي حجزت على أمواله وممتلكاته، الأمر الذي أصابه بشلل مؤقت.

ظل بهذه الحالة إلى أن تحسنت أحواله الصحية، وجاءته دعوى لإحياء بعض الحفلات الفنية بالكويت، وعندما وصل إلى هناك وقعت حرب 1967، فكان من الصعب عليه العودة.

هناك استطاع توقيع بعض العقود مع تلفزيون لبنان لتقيدم بعض البرامج والحفلات، ومن خلالها استطاع أن يحسن من وضعه المالي، ففكر في تكوين فرقة مسرحية تقدم عروضها في سوريا ولبنان، ولكن سرعان ما أصابه الفشل، فلم تكن الفرقة مدروسة بالشكل اللازم.

عاد إلى القاهرة وظل وقتاً طويلاً في انتظار أن تطرق السينما بابه إلى أن وصله عام 1971 خطاب من التلفزيون يدعوه إلى تقديم بعض الأعمال، وبالفعل أنتج له فيلم «نصف مليون جنيه». وفي نفس الوقت عرضت عليه بعض الملاهي الليلية العودة إلى تقديم المنولوجات مرة أخرى، ولم يكن أمامه إلا القبول.

وفي عام 1972 كان كل من يشاهد إسماعيل ياسين يشعر أنه تجاوز السبعين من عمره وهو في الحقيقة لم يكن تجاوز الـ59 عاماً، وذلك بسبب الألم النفسي والمادي حتى أن ابنه المخرج السينمائي ياسين إسماعيل ياسين يصف تلك الفترة في حياة والده بقوله «في عام 1972 عندما وافق أبي على العرض الذي قدمه له أحد أصحاب الملاهي اللليلية ليقدم منولوجات لجمهور الملهى، لا أعرف لماذا شعرت بأن نهايته قد اقتربت وأنه سينتهي كما بدأ عندما جاء من السويس ليلقي المنولوجات أمام جمهور ملاهي القاهرة».

وقف إسماعيل ياسين الذي حقق ما لم يحققه أحد ليلقي المنولوجات على جمهور الملهى، إلا أنه لم يستمر طويلا، فلم ينتصف عام 1972 إلا وكان قد رحل حين اشتد عليه المرض، لتنتهي رحلة مليئة بالأحزان والدموع لفنان لم يبخل يوماً على فنه بوقت أو مال أو صحة.  



0
8
1
0
0
8
0