للثانوية العامة ذكريات في كل بيت مصري، باعتبارها عتبة فارقة في حياة كل طالب، ومحطة انتقال لمرحلة جديدة ترسم إلى حد كبير ملامح مستقبله. ولكن كيف عاش الرئيس الراحل محمد أنور السادات هذه المرحلة خاصة أنها واكبت احتلال الإنجليز لمصر كما أن الفوارق الطبقية كانت سمة غالبة في المجتمع.

«شبابيك» ينشر ذكريات السادات مع الثانوية على لسانه كما رواها في مذكراته التي منحها عنوان «البحث عن الذات».

مشيئة القدر

يقول السادات: التحقت أنا وأخي الأكبر طلعت بمدرسة فؤاد الأول الثانوية. كان ذلك في سنة 1930، وكان القانون يقضي بأن يدخل أحدنا مجاناً والآخر بمصاريف ولكن رُفض طلبنا، فاضطر والدي إلى دفع المصاريف لي ولأخي.

كان القسط الأول 16 جنيها هي كل مرتب والدي، أعطاه لي فدفعته للمدرسة، ولما حل ميعاد القسط الثاني أخذه أخي طلعت من والدي، ولكن بدلاً من أن يدفعه للمدرسة هرب به إلى حيث لا نعرف وأنفقه إلى آخره، ثم عاد ليعلن أنه لا يرغب الاستمرار في التعليم.

وربما كانت هذه مشيئة القدر، فبدون إحجام أخي عن التعليم كيف كان سيتسنى لوالدي بدخله المحدود الإنفاق على تعليمنا نحن الإثنين. أغلب الظن أنه كان سيضطر إلى إيقاف تعليمي خاصة أن طلعت هو أخي الأكبر.

فوارق طبقية

في المدرسة الثانوية تفتحت عيناي لأول مرة على أهل المدينة وعرفت معنى الطبقية والفوارق. ففي المدرسة كان معي ابن وزير الحربية وابن وكيل وزارة المعارف، وكان كل منهما ينتقل إلى المدرسة ويعود منها إلى البيت في سيارة فاخرة. منظر مبهر للغاية لكنه لم يترك في نفسي أي أثر للغيرة والحقد.

وطبعا زملائي في الفصل كانت ملابسهم أفضل من ملابسي كثير ولكن هذا لم يصيبي بأي عقدة.

كان لي أصدقاء كثيرون من أولاد الذوات وكانوا يعيشون في بيوت فخمة لم أرها من قبل ولكني لا أذكر أنني تطلعت يوما إلى ما هم فيه. ففي البلد عندنا دارنا وبهائمنا والجميع يعرفون أنني ابن الأفندي – وقبل كل شيء – عندنا الأرض التي أنتمي إليها.. صلبة.. دائمة لا تزول.. تماماً مثل قيم القرية التي لا يعرفها أهل المدينة.

شاي باللبن

في مرحلة التعليم الثانوي كنت أعيش تحت خط الفقر، فقد كان والدي بدخله المحدود يعول أسرة مكونة من 13 ولداً وبنتا.. ولذلك فرغم أننا كنا نعيش في القاهرة كان بمنزلنا فرن نخبز فيه العيش، إذ أن شراء الخبز من السوق كما يفعل أهل المدينة كان أمرا لا طاقة لنا به.

وكان مصروف يدي مليمين في اليوم، وبهذا المبلغ الضئيل كنت أشترى كوبا من الشاي باللبن وأشربه وأنا أحس أني أسعد إنسان في العالم، في حين كان زملائي من حولي يشترون أفخر أنواع الشيكولاتة والحلوى من «كانتين» المدرسة.

وكان لدى الواحد منهم أكثر من حُلّة فاخرة يختار من بينها ما يروق له فهو دائما أنيق متجدد، أما أنا فكانت عندي حلة واحدة أكل عليها الدهر وشرب ولكني لا أملك تغييرها أو حتى تجديدها.

وعندما تقدمت للحصول على شهادة إتمام الدراسة الثانوية كان علينا أن نرفق بالاستمارة صورة شخصية، وكان لهذه الصورة أهمية خاصة في نظر أي طالب، فشهادة التوجيهية هي بطبيعة الحال نقطة تحول في حياته، ولذلك ذهبت إلى والدي وطلبت منه حلة جديدة أتصور بها هذه الصورة التاريخية.

أدرك والدي أهمية مطلبي ولكنه قال: «أمهلني يوما أو اثنين لأتدبر المبلغ». وفي اليوم الثالث جاء إلى وهو باسم الوجه وقال «وجدت الحل.. اذهب إلى وكالة البلح.. هناك الدكاكين كلها متشابهة ولكن هذا هو اسم صاحب الدكان الذي أريدك أن تذهب إليه» وأعطاني مائة وخمسين قرشا.

لم يكن حجم الدكان يزيد عل متر ونصف في مترين، وفي واجهته طاولة بطوله تقريبا يقف ورائها صاحب المحل وخلفه أثواب القماش وقد رُصت على عدة رفوف.. وفي الزاوية ماكينة خياطة.. انتقيت القماش وتناوله مني الرجل وأعمل فيه المقص ثم جلس إلى ماكينته، وبعد ساعة ونصف ناولني حلتي الجديدة.

لم تكن بالطبع لتقارن بما أعده زملائي في المدرسة لهذه المناسبة ولكني كنت سعيدا بها كل السعادة، فهي تفي بالغرض ولا يهم على الإطلاق إذا كانت خشنة الملمس أو رخيصة المظهر.. ثم بها أو بدونها أنا هو أنا.. ذلك القروي الصغير الذي يرى في فلاحة الأرض ما يميزه ويميز من يمارسها عى أهل المدينة الذين يعيشون على التجارة.

مجموع صغير

انتقلت من السنة الثانية إلى السنة الثالثة ولكن بمجموع صغير، فطلبوا مني أن أعيد السنة الثانية حفاظاً على النتيجة العامة للمدرسة في شهادة الكفاءة وهي شهادة عامة كنا نتقدم لها بعد السنة الثالثة..  رفضت وسحبت أوراقي من المدرسة «فؤاد الأول» وقدمتها إلى مدرسة الأهرام الأهلية حيث قبلوني بالسنة الثالثة.. وحصلت على شهادة الكفاءة في نفس السنة.

أخذت أوراقي مرة أخرى إلى مدرسة فؤاد الأول حيث التحقت بالسنة الرابعة، لكن في الامتحان المؤهل للسنة الخامسة - وهي نهاية مرحلة التعليم الثانوي - تكرر ما حدث لي عندما انتقلت من السنة الثانية إلى الثالثة فسحبت أرواقي من فؤاد الأول وذهبت بها ثانية إلى مدرسة الأهرام حيث قبلوني بالسنة الخامسة، وتقدمت في نهاية العام للحصول على شهادة التوجيهية، ونجحت في جميع المواد ولكني رسبت في المجموع.

كانت هذه نقطة تحول، فقد أدركت أن رسوبي إنما كان دليلا على عدم رضاء الله عني وعقابا لي منه عز وجل لاستهتاري ربما، وربما للثقة الزائدة عن الحد في نفسي. لم يكن أمامي من ملجأ سوى قيم القرية تحفظ علىّ نفسي كما فعلت دائماً.. وبهذا الإحساس الغامض بالذنب والتوبة معاً نقلت أوراقي إلى مدرسة رقي المعارف بشبرا وحصلت على شهادة إتمام الدراسة الثانوية.

وعندما انتهيت من إتمام دراستي الثانوية سنة 1936 وفي نفس السنة كان النحاس باشا قد أبرم مع بريطانيا معاهدة 1936، وبمقتضاها سُمح للجيش المصري أن يتسع، وهكذا أصبح في الامكان أن التحق بالكلية الحربية وهو ما تحقق.

 

السادات في الكلية الحربية

 



المصدر

كتاب «البحث عن الذات». محمد أنور السادات.

0
1
0
0
0
0
0