على مدار 23 عامًا قضاها النبي محمد، في نشر دعوته الإسلامية بين مكة والمدينة، كان الشباب هم أبرز المحتكين به والقريبين منه، فعليهم اعتمد في غالبية الأحداث الجسام، وكانوا قوام دولته الجديدة، حتى أن كثير من أحاديثه وجهت لتعليم الشباب أمور الدنيا والدين، ونرصد في هذا التقرير أشهر 10 نصائح قدمها النبي لشباب دولته، من خلال مواقف بينه وبينهم.

التيسير على الناس 

وتذخر السيرة النبوية بمواقف عديدة بين الرسول (صلي الله عليه وسلم) والشباب يمكن الاعتماد عليها في سرد نصائح نبوية للشباب، أبرزها كان بينه وبين معاذ بن جبل والذي أسلم وعمره 18 عامًا، عندما أرسله لليمن سفيرُا له لتعليم اليمنيين أمور دينهم، فروي عن أبى بردة -رضي الله عنه- قال: بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث كل واحد منهما على مخلاف. واليمن مخلافان. ثم قال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) -وفى رواية: (وتطاوعا ولا تختلفا)- وانطلق كل واحد منهما إلى عمله.

ويحاول النبي محمد في هذه الجملة أن يوصى شابين من أصحابه بألا يعسروا على الناس، وأن يبشروهم ولا ينفروهم من الدينا، أو حتى من الدين.

اضبط لسانك

أشهر أحاديث النبي محمد المتعلقة بالأخلاق، هي قضية حفظ اللسان، والتوقف عن الغيبة والنميمة، ومن أشهر ما روي في ذلك حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

الأخذ بالأسباب ثم التوكل 

أوصى النبي محمد أصحابه دائما بالاستعانة بالله والتوكل عليه، حتى أنه يقول لابن عمه عبد الله بن عباس، وكان غلامًا وقتها، «يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».

اللين والرفق مع الآخرين

كان النبي دائما يتحرى اللطف في المعاملة مع الشباب حتى ولو كانوا على خطأ، ويحاول إيصال المعلومة لهم بقدر من الحكمة واللطف، حتى تصل إليهم دون لبس أو مواربة، ويظهر ذلك في حديثه للشاب الذي جاءه لليحلل له الزنا، لأنه لا يقوى على العيش بدونه، حتى أن الناس في المسجد قاموا يريدون الاعتداء عليه، فنهرهم وأبعدهم عنه.

الرواية كاملة ينقلها الحديث الذي رواه أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ. فَقَالَ: "ادْنُهْ". فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟" قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟" قَالَ: لا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟" قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟" قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟" قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ". قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ, وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ.

في الحديث السابق لا يقف عند تكريه الشاب للزنا، ولكن الأمر يتعدى إلى الرفق مع السائل وتعليمه ما يجهله بلين ورحمة ومنع الناس من إيذائه.

التفاؤل والأمل

حرص النبي منذ بداية البعثة في مكة على تعليم أصحابه التفاؤل والصبر، وعدم اليأس بسبب بعض ما تعرضوا له من إيذاء على يد كفار قريش، وكان من أبرز المواقف التي حدثت مع أحد شباب مكة من المستضعفين قبل الهجرة، ما قاله لخباب بن الأرت، والذي أسلم وهو ابن 20 سنة، حينما طلب من النبي أن يدعوا على الكافرين في قريش حتى يتخلصوا من عذابهم، وكان رده يدعوا للتفاؤل والصبر، ولنترك خباب نفسه يروي الواقعة.

عن خباب بن الأرت (رضي الله عنه) قال: «شكونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا، فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها فيُجَاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.

موقفا آخر يدعوا فيه النبي للتفاؤل حتى في تسمية الأطفال، ففي قصة تسميته للإمام الحسن بن علي بن أبي طالب وأخيه الإمام الحسين رضي الله عنهم أجميعن ما يدل على ذلك، فعندما أنجبت السيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنها الإمام الحسن أحضره الإمام علي بن أبي طالب إلى النبي، فسأله ماذا أكسته فقال "حرب" فقال بل "الحسن"، وتكرر نفس الموقف عندما ولد الإمام الحسين فسماه الإمام علي حربًا فقال له النبي عليه الصلاة والسلام وعلى آله بل "الحسين".

الإيجابية

وكان محمد بن عبد الله بشوشا خصوصا مع الأطفال والصبية، وكان دائما ما يعلم من حوله خصوصا الشباب الإيجابية ويظهر ذلك في أكثر من موقف، حتى أنه كان يعلمه الاحترام، والثقة بالنفس، حيث روى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتي بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره. فقال: «يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه».

تحيلنا القصة إلى تصرف النبي مع الغلام لمراعاته ضمانًا للتوافق النفسي والاجتماعي للطفل، ويتعلق الأمر بحاجته للشعور بأنه محبوب ومرغوب فيه من لدن كل من يتعاملون معه، وأن له قيمة ينبغي أن تُحترم وحضورًا يجب أن يُصان، وتغذية الحاجة إلى التقبل والاحترام تُجنب الطفل كل ميل إلى السلبية والانطواء وكراهية الآخر، مما يعزز ثقته بذاته، ويضمن انخراطه على نحو إيجابي في النسيج المجتمعي.

الرفق

أبرز مواقف الرفق التي تمتلئ بها كتب السيرة، والتاريخ الإسلامي حدثت مع غلامه أنس بن مالك، والذي يقول خدمت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قط.

ومرة أخرى يروى أنس، رضي الله عنه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فخرجت حتى أمر على صبيان يلعبون في السوق، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله.

ورغم رفض أنس - ظاهريًا- تنفيذ أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فماذا كان تصرف النبي، عليه الصلاة والسلام؟ أنه خرج وراءه، (تركه بدايةً؛ ما رد عليه ولا هدده) لكنه تابعه وخرج وراءه فرآه واقفًا مع الغلمان، وكأنه الآن سيلهو عن الشيء المطلوب، فأمسك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنسًا من قفاه من خلفه، وهذا الإمساك إمساك ملاطفة وليس إمساكًا خنقًا لقول أنس: «فنظرت إليه وهو يضحك»، وهذا دليل على أنه كان يلاطف ولم يكن يعبس في وجهه.

الحلم 

تظهر مواقف كثيرة حلم النبي مع الشباب حتى في أعظم الأخطاء المتعلقة بالفرائض، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بيّنا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمّتونني لكني شكتُّ. فلمّا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، وقال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن).

الإحسان إلى النساء

وعلم النبي محمد شباب الأمة ورجالها حسن التعامل مع نسائها وعد الإساءة لهن، على أن يكون مصيرهم الجنة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كان له ثلاثُ بَنَاتٍ، أو ثَلاثُ أخواتٍ، أو بِنْتانِ، أو أختان، فأحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ، واتَّقَى الله فيهنَّ، فله الجنة).



0
0
0
0
0
0
0