رغم أن بداية تواجد الجالية الأمريكية حديث نسبياً مقارنة بجاليات أجنبية أخرى، ورغم قلة أعدادهم بالنسبة للأجانب في بدايات القرن الـ19، إلا أنهم لعبوا أدواراً تبشيرية تحت غطاء تعليمي فاقت ما قام به أعضاء الجاليات الأخرى.

بدأ يتضح وجود الجالية الأمريكية في مصر منذ أن استعان بهم الخديوي إسماعيل باشا كضباط ومدربين في الجيش المصري، ولكن لم يطل فترة بقائهم إذ سٌرحوا جميعاً بسبب اشتداد الأزمة المالية، والتدخل الأجنبي (الفرنسي والإنجليزي) في شئون مصر.

أعداد قليلة في بعض المحافظات

وبمرور الوقت، بدأت الجالية الأمريكية تتكون وإن ظلت من الجاليات قليلة العدد محدودة الانتشار، فلم يوجد خارج القاهرة والإسكندرية ومنطقة القناة إلا أعداد قليلة منهم في محافظات أسيوط والغربية والجيزة والفيوم والمنيا.

فبلغ عددهم سنة 1917 حوالي 514 نسمة، أقام منهم حوالي 389 بالقاهرة والإسكندرية ومنطقة القناة، ثم زاد عددهم سنة 1927 إلى 1636 أمريكي، ثم تناقصوا بداية من سنة 1937 فبلغ 790 نسمة. ورغم تناقص عدد الأجانب في مصر سنة 1947، إلا أن عدد الأمريكيين زاد إلى 1069.

نشاط يدعو للمذهب البروتستانتي

ورغم قلة عدد الأمريكيين بمصر، إلا أنهم تفوقوا بنشاطهم التنصيري ذات الصبغة التعليمية والطبية والاجتماعية بشكل فاق نشاط الجاليات الأخرى، ولم يكن الهدف من مجيء السياسيين الأمريكيين إلى مصر رعاية أبناء الجالية لأن عددها كان محدوداً جداً في مصر، ولكن كان بمثابة تمهيد لمجيء الأمريكيين منذ نزول البعثات التنصيرية إلى بلاد الشام 1820، فبدأت صلات الولايات المتحدة بمصر وبدأ التمثيل القنصلي بينهما عام 1832.

تمثل هذا النشاط في أكثر من صورة، منها بقاء المدارس الأمريكية منذ إنشائها تحت إشراف الإرساليات الأمريكية، فلم تقم الجالية الأمريكية قليلة العدد بإنشاء مدارس خاصة لها، وإنما كانت جميع المدارس الأمريكية في مصر تهدف إلى نشر المذهب البروتستانتي خاصة بين أقباط مصر.

وقد توسعت الإرسالية في إنشاء المدارس، وكانت كلما تكونت جالية بروتستانتية في المكان الذي تنشأ فيه المدرسة تترك المدرسة في أيدي الأهالي البروتستانت لتنقل نشاطها إلى مكان آخر، تستطيع أن تبني فيه مدرسة جديدة لتبدأ نشاطها فيه لنشر البروتستانتية بين الأقباط الأرثوذكس.

شيئاً فشيئاً اتسع نطاق المدارس الأمريكية، وانقسمت إلى مدارس خارج الإرسالية ومدارس الإرسالية ومدارس داخلية وكليات تدريبية ومدرسة اللاهوت.

ويلاحظ أن عام 1922 بلغت فيه المدارس الأمريكية أقصى زيادة لها، إذ بلغت 61 مدرسة، أي ما يقرب من 19% من جملة المدارس الأجنبية في هذا العام والبالغ عددها 326 مدرسة.

الجامعة الأمريكية والأزهر

تلك الفترة أنشأت الجالية معاهد عديدة لكن أشهرها كان الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1920. كانت وليدة نشاط الإرسالية الأمريكية بمصر، وفي عام 1922 أصبحت جامعة مستقلة عن الإرسالية، وأصبح لها كيانها الخاص وتشرف عليها هيئة أمناء.

ووقفت دوافع عديدة وراء إنشاء هذه الجامعة بالعاصمة المصرية، منها أن الأمريكيين أدركوا أن القاهرة تمثل مركزاً استراتيجياً مهماً في العالم العربي ولها مركز الصدارة في العالم الإسلامي.

كما سعى الأمريكيون لمنافسة جامعة الأزهر في إعداد قيادات دينية مزودة بثقافة بلادهم، واستخدام الجامعة كمركز لنشر الثقافة الأمريكية في مصر والبلاد المجاورة، خاصة أنهم أدركوا أن شهادة من الأزهر عند العرب توازي شهادة الدكتوراه من أكسفورد أو باريس أو هارفارد في العالم الغربي.

بجانب ذلك، نظر الأمريكيون إلى القاهرة باعتبارها مركز الثقافة العربية، ويصدر فيها سنوياً مليون نسخة من المجلات والجرائد، وأن عدد سكان مصر كبير إذا ما قورن بما في البلاد العربية، لذا فإن القاهرة يمكن أن تكون مركزاً مهماً للثقافة الأمريكية ممثلة في الجامعة الأمريكية.

قلق بريطاني

لم تقف بريطانيا موقف المتفرج تجاه تغلغل نفوذ الإرسالية الأمريكية، وخشيت من أن تتمكن عن طريق الجامعة الأمريكية التي تساندها وتدعمها الموارد المالية الضخمة من المجلس العام للإرسالية الأمريكية ومن كنائس أمريكا من جذب الطلبة المصريين إلى التعليم فيها، ما يؤدي إلى اتجاه مصر وشبابها نحو ثقافة معينة قد لا تتفق والسياسة البريطانية في مصر.

لذا ساعدت الإدارة البريطانية في مصر على صدور المرسوم الخاص بإنشاء الجامعة المصرية الحكومية في 11 مارس 1925لجذب الطلاب المصريين بدلاً من اتجاههم إلى «الأمريكية»، وكان لصدور هذا المرسوم مبررات أخرى منها قلة الأموال والتبرعات من وزارة المعارف حالت دون أن تتوسع الجامعة في مواجهة مطالب البحث العلمي.



المصدر

*كتاب «الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري من سنة 1882 إلى سنة 1992». الدكتور نبيل عبد الحميد.    *كتاب «الأجانب في مصر. دراسة في تاريخ مصر الاجتماعي». الدكتور محمود محمد سليمان.

0
0
0
0
0
0
0