محمد إبراهيم يكتب: تابلت «الواد حمادة»

محمد إبراهيم يكتب: تابلت «الواد حمادة»

ذهب الطلاب لأداء الإمتحان لكن ولمشاكل تقنيِّة لم يتمكن أغلبهم من الحصول على الإمتحان.. تجربة الـ«تابلت» في اليوم الأول لامتحانات الصف الأول الثانوي كانت مُقلقة، لكن الوزارة قالت إن لا داعي للقلق وإن «كله تمام».

كنت أناقش مدرس في مدرسة ابتدائية عن مستوى الطلاب وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض فاشتكى لي أن فصله به 70 طالبا، وأنه كي يستطيع متابعتهم بشكل جيد يحتاج إلى نظام كامل من كاميرات المُراقبة!

70 طفلا يجب أن يتابع المدرس مستوى تعليم كل منهم ويعمل على توصيل المعلومات لهم بشكل جيد ومساعدتهم على تخطي الصعوبات التعليمية والاجتماعية، وهذا الأمر ببساطة مستحيل.

ومن جانب آخر، عرفت أن الطلاب في أغلب المدارس الإعدادية والثانوية لا يحضرون مُطلقا ويعتمدون بشكل كامل على «السنتر»؛ كنت أتصور أن الموضوع به تهويلٍ ما، لكني فوجئت أن الفصول لا يحضر لها أحد فعلا، وحينما ناقشت أحد أولياء الأمور أن يُرسل ابنه للمدرسة لأن هناك ثمة فرصة أن يتحصل على دراسة أكثر كفاءة مادام سيكون بمفرده مع المدرس كأشبه ما يكون بدرس خاص، فقال لي «لو في طالب راح المدرسة هيمشوه، مفيش فصول شغالة».

***

«يعني إيه يا واد رحت الإمتحان والإمتحان ماجاش ؟!».

**

قبل أن أتكلم عن صعوبات التعليم في مصر سألقي نظرة سريعة على التابلت الذي تم تسليمه لطلاب أولى ثانوي ليكون ونيسهم الدراسي طيلة ثلاثة أعوام.

التابلت من إنتاج شركة سامسونج، أنتجته في 2016 أي قبل ثلاثة أعوام، ولم يلق نجاحاً وقتها، شاشته عتيقة الطراز لا تحظى بطبقة للحماية من الخدش، وهيكله البلاستيك غير مقاوم للسوائل والأتربة، وسرعته لا يتوقع أن تتحمل العمل الشاق، والمُفترض أن يبقى مع الطالب ثلاثة سنوات يعتمد فيها عليه في الدراسة والتعلم الذاتي وكذلك أداء الإمتحانات، وإذا حدثت به أعطال فالوزارة تقول إنها ستساعد الطالب في حلها سواء بشكل مباشر أو بإرشاده إلى الخطوات التي يجب أن يقوم بها، أما لا قدر الله إذا كُسر أو سُرق فليلة الطالب وأهل الطالب سوداء، ويجب أن يدفعوا ثمن الجهاز إلى الوزارة.

 

**

هل إصلاح التعليم يبدأ من التابلت؟ أم إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح التابلت؟!

**

إذا حدثت بالتابلت أعطال فالوزارة تقول إنها ستساعد الطالب في حلها سواء بشكل مباشر أو بإرشاده إلى الخطوات التي يجب أن يقوم بها، أما لا قدر الله إذا كُسر أو سُرق فليلة الطالب وأهل الطالب سوداء, ويجب أن يدفعوا ثمن الجهاز إلى الوزارة

بـ«فنلندا» تجربة تعليم مُميزة جعلتها في المراتب الأولى في جودة التعليم بالعالم.. الدراسة 20 ساعة أسبوعيا ويومان عُطلة، أي بواقع 4 ساعات 5 أيام في الأسبوع، وكل يوم به ما لا يقل عن 75 دقيقة راحة.

المُدرسون يحصلون على أعلى رواتب في الدولة، ويجب حصولهم على درجة الماجستير أو الدكتوراة قبل تعيينهم، ولكي يعمل بالتدريس يمر على اختبارات دقيقة جعلت نسبة نجاح الحصول على وظيفة في مجال التدريس لا تتعدى 10% من إجمالي المتقدمين لشغلها.

هناك سمات تربوية صارمة في النظام التعليمي هناك لإلغاء الفوارق بين الطلاب طبقا لمدى قدرتهم على التحصيل الدراسي، ولتقريب الفجوات بينهم، والتعامل معهم يتم بطريقة متساوية بشكل كامل، دون النظر عن أي اختلافات بينهم.

**

الشنطة فيها تابلت

**

أن تسلخ الشاه قبل ذبحها، أو تحاول بناء الطابق الخامس قبل أن تضع أساس الطابق الأول، أو أن تشتري غطاء السيارة قبل أن تشتري السيارة؟!

وكحال البلد هذه الأيام يقفز وزير التعليم على كل ما قد يفعله لإعادة هيكلة التعليم من الأسفل ليتقدم ولو خطوات بسيطة من موقعه في أسفل القائمة الدولية في جودة التعليم، ليفتخر بتجربة «التابلت»، قبل أن يعمل على تخفيض كثافة الفصول، وتدريب المدرسين ورفع رواتبهم، وغلق صنبور الدروس الخصوصية و«السناتر»، وحتى دون النظر لسرعة الإنترنت، وكفاءة النظام الإلكتروني الذي قد يُتيح لتجربته أي فرصة للنجاح حتى ولو من باب الدعاية.

**

هل تم إعداد دراسة جدوى لهذا المشروع ؟

**

علَّق وزير التعليم المستنير على فشل النظام الإلكتروني بأن السبب «هجوم خارجي أو هاكر» على النظام ما أدى لوقوع السيرفر.. أصابع المؤامرة تُداعب النظام التعليمي كما تفعل كعادتها في عشرات الأنظمة في مصر، وبدلا من نزول الوزير من برجه العاجي ليرى الواقع الذي نعيش فيه ويُحاول إصلاح المنظومة بشكل حقيقي بعيدا عن الدعاية المزيفة والفارغة.. اتهم المؤامرات الكونية.

إصلاح التعليم يحتاج إلى رغبة وإرادة حقيقية تعتمد على رجال ونساء يعرفون المنظومة بشكل جيد، ويعرفون المشاكل الحقيقية بها.

حمادة قد يحتاج إلى تابلت بدلا من الكتب الثقيلة التي يحملها على ظهره، لكنه قبل ذلك يحتاج إلى مدرسة حقيقية، ومدرس كُفء ومُتفرغ، ووزير قدميه على الأرض.

**

الحكومة في اتجهاها للعودة إلى الإمتحانات الورقيِّة التقليدية، ولا عزاء لتابلت «الواد حمادة».

المقال المنشور في قسم شباك يعبر عن رأي كاتبه وليس لشبابيك علاقة بمحتواه

 

محمد إبراهيم

محمد إبراهيم

روائي وكاتب مقالات في عدة مواقع عربية داخل وخارج مصر، يناقش الموضوعات السياسية والاجتماعية.