ما فعلته الحرب الأهلية بلبنان ومواطنيه...

على مدار 15 عام وتحديداً من سنة 1975 حتى 1990، عاش اللبنانيون ويلات حرب أهلية اندلعت نتيجة لأسباب سياسية واقتصادية ولعبت التركيبة الطائفية دوراً في إشعالها، وكان منطقياً أن تلقي هذه الحرب بتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الشعب اللبناني.

آثار اقتصادية

يذكر الدكتور علي عبد فتوني في كتابه «تاريخ لبنان الطائفي»، أن الحرب اللبنانية غيّرت معالم الحياة بشكل عميق، فانتهى عهد قطاع الخدمات الذي يشكل حوالي 70% من الدخل القومي، ودُمّرت بنية قطاع السياحة والاصطياف، وفقدت المصارف معظم أدوارها، وشهدت هجرة واسعة لمدخراتها، ونزوحاً لخبراتها، كما انهار نظام المواصلات الشامل الذي تميز به لبنان وكان همزة الوصل الفاعلة في محيطه وجواره القريب والبعيد.

عدا ذلك، دمرت الحرب الأهلية قسماً كبيراً من الطاقة الانتاجية للاقتصاد اللبناني، ولحقت الخسائر المادية والبشرية بجميع المؤسسات والمناطق والقطاعات المختلفة، فحصل تراجع كبير في الإنتاج الزراعي والصناعي، وهجرة في اليد العاملة المتخصصة ما ترك آثاراً كبيرة على جميع فروع الاقتصاد.

كما حصل نقص عام في عرض السلع والخدمات وحتى في البضائع المستوردة، وكان لذلك دور فعّال في زيادة التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة يواجهون صعوبة في تأمين الغذاء، وباتوا يتخوفون من خطر مجاعة.

كان نتيجة ذلك تزايد معدلات الإفقار المطلق والنسبي الذي طال ولو بدرجات متفاوتة فئات كبيرة من فئات الشعب اللبناني في الريف والمدينة على السواء، مع تهميش متزايد للشرائح الدنيا من هذه الفئات، وتزايد ظاهرة البؤس نتيجة توالي موجات التهجير وتفاقم البطالة وتدهور القوة الشرائية.

 

أمراض نفسية

في السياق ذاته، تعددت الآثار الاجتماعية لهذه الحرب التي تشعبت حتى استباحت كل قيمة إنسانية متعارف عليها مثل الحق في الحياة والحرية والعمل والملكية والرأي، وأخذت حدود احترام هذه القيم تضيق أو تتسع وفقاً للظروف والأطراف، وصار صعباً تعيين قيماً ثابتة يأخذ الناس بها ويسترشدون بمضمونها في سلوكهم وتصرفاتهم.

كما ارتفعت حدة الأمراض النفسية عند اللبنانيين، وزادت الانحرافات السلوكية وأعمال السطو وتناول المخدرات والتصرفات السيئة. وقد تعرض الرجال أكثر من النساء لقدر كبير من هذه الأمراض، ولكنهم كانوا يقاومون ويعانون بصمت الانحرافات الجنسية والسلوكية والفصام. بينما ظهرت عند النساء الهيستريا والاضطراب الانفعالي والانهيارات العصبية.

 

التلاميذ والأطفال

غير أن الأثر السلبي الكبير كان من نصيب التلاميذ. تغيرت أهداف التعليم لديهم بعد سنوات الاضطراب الاجتماعي والقلق النفسي، فلم تكن الدراسة تستحق عندهم المخاطرة بالنفس في ظل الأجواء المتوترة التي لا يُعرف فيها مصير الإنسان ولا مستقبل الحياة كلها.

في مثل هذه الأجواء كثُر المرض الوهمي، وتعددت أسباب التغيب عن المدرسة، وأصبح من الصعب ضبط الدوام الدراسي وفرض النظام، لذا كثرت المشاغبات وانقلب التوتر إلى سلوك عدائي هجومي في وجه الإدارة، ودفع التشاؤم والانهيار بعض التلاميذ إلى تقرير مسلكهم الدراسي بأنفسهم في الإضراب أو تلقي الدروس.

ومما لاشك فيه أن القصف المفاجئ خلال اليوم الدراسي، وانفجار العبوات الناسفة أو السيارات المفخخة واندلاع الاشتباكات بين المحاربين المتمركزين داخل الأحياء السكنية قد أوقع العديد من القتلى في صفوف التلاميذ، وهذا الواقع جعل الطالب يعيش في سجن تلاحقه الحرب أينما ذهب، فلم يعد لديه أي متسع سلمي، ولا يمكنه التنقل في أنحاء بلاده حيثما شاء، بل أحياناً لا تتعدى معرفته الجغرافية حدود سكنه ومدرسته.

وأدى كل ذلك إلى العدوانية والكبت والإحباط الذي انعكس بدوره على تحصيله العلمي والاتجاه إلى السلوك غير السوي، وتمثل ذلك بصورة واضحة في إدمان المخدرات، كما اتسم تفكير التلاميذ بالسلبية وطباعهم بالعدوانية والعصبية، مما قوقع محتوى التعليم الذي فقد من جاذبيته في نظر هؤلاء الطلاب، فلم يعودوا ينظرون إليه كقيمة في حد ذاتها تهدف إلى ترقية الكائن البشري، بل كسلعة شبيهة بالسلعة المتداولة.

 

وفي الإحصاءات والدراسات التي تناولت ثمانية آلاف إصابة عام 1978، تبين أن نسبة الشباب فيها 20% من الذكور والإناث ممن تتراوح أعمارهم تتراوح بين 16 و30 سنة، وذلك بسبب التحولات التي أصابتهم بعد الحرب فانتقل قسم كبير منهم من حياة اليسر والرفاهية إلى مصارعة الموت والخوف، فانخفض عند هؤلاء النمو النفسي بالفطرة واتسعت الهوة بينهم وبين الكبار، فأخذوا يعبثون بسلطة الأهل والقانون والدولة بعدما سقطت أمامهم هالة النظام.

أما الدراسات التي تناولت انعكاسات الحرب على الحياة الجسدية والنفسية عند الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة وخمسة عشرة سنة، فقد أشارت إلى أن الحالة الصحبة والنفسية لهم قد ساءت بصورة ملحوظة أثناء الحرب، لأنهم منذ بدايتها عام 1975 يعيشون معاناة جسدية ونفسية وما يرافقها من تدنٍ في مستوى الوقاية الصحية والسكن، ونقص في الغذاء والماء والكهرباء والخدمات الاجتماعية.

المصدر

  • كتاب «تاريخ لبنان الطائفي». علي عبد فتوني.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا