من هم المماليك؟.. قصة الرقيق الأبيض الذي حكم مصر 267 عام

ما بين عامي 1250 حتى 1517 حكم المماليك مصر، ومنها امتد نفوذهم إلى مناطق عربية أخرى في الشام والجزيرة العربية، إلى أن جاءت نهايتهم على يد العثمانيين أثناء دخولهم مصر. فمن هم المماليك.. ومن أين جاءوا وكيف وصلوا إلى سدة الحكم؟. الدكتور خالد علي عبد القادر أجاب على كل هذه التساؤلات في كتابه «المماليك البحرية في مصر. دراسة مجتمعية تاريخية 648-784هـ/1250-1382م».

المماليك.. الجنس الأبيض

المقصود بالمماليك، هم الرقيق من الجنس الأبيض الذين جُلبوا في زمن الدولة الأيوبية والمملوكية عن طريق التجار الذين كانوا يكثرون أثناء الحرب.

وهؤلاء الرقيق مواطنهم مختلفة. جُلبوا من شبه جزيرة القرم، وآسيا الصغرى، وبلاد القوقاز، وفارس، وتركستان، وبلاد ما وراء النهر، وكانوا أخلاطاً من الأتراك والشراكسة والروم والروس والأكراد والمغول.

وجُلب الرقيق أساساً لتقديم خدمات مختلفة للخلافة الإسلامية كمؤسسة، ثم اعتمدت عليهم الدولة التي عاشت في كنف الخلافة كقوة عسكرية، فتم شراء بعضهم، واُخذ بعضهم الآخر من قبائل مشهود لها بالقوة، على سبيل استفادتهم المادية.

وفي كثير من الأحيان اتبعت بعض الدول طريق إشراك أجناس مختلفة وكثيرة في الجيش، وذلك من باب تنوع القدرات، وخلق نوع من التنافس بين الأجناس، من أجل التفاني في خدمة الدولة.

الدولة الأيوبية وجلب المماليك

وظاهرة الرقيق لم تكن من اختصاص دولة بعينها، أو خليفة معين، فالحاجة كانت إليهم تختلف من فترة لأخرى، ولكن عملية استكثارهم أخذت أبعاداً أخرى في زمن الدولة الأيوبية بسبب الخلافات والحروب التي كانت دائمة الحدوث بين أبناء هذه الدولة، فاعتمد عليهم الأيوبيون، وشكلوا منهم جيوشاً كبيرة لتأدية الحروب نيابة عنهم.

وأثناء تلك الحروب وجد المماليك مناخاً مناسباً لظهورهم، خاصة بعد أن حملت فرق كثيرة منهم أسماء أسيادهم الأيوبيين، فعلى سبيل المثال وُجدت المماليك الأسدية التي نُسبت إلى أسد الدين شيركوه، والصلاحية إلى صلاح الدين الأيوبي، والعزيزية إلى العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي، والصالحية إلى الصالح نجم الدين أيوب.

وُجدت أيضاً المماليك البحرية نسبة إلى نجم الدين أيوب، وهؤلاء عاشوا في جزيرة روضة المنيل على نهر النيل، واستطاعوا حكم مصر فيما بعد وسميت دولتهم بالبحرية، واختلف في سبب تسميتهم بذلك، فمن المؤرخين  من أرجع ذلك إلى بحر النيل الذي عاشوا بجواره، وفريق آخر قال بأن التسمية جاءت نتيجة لجلبهم من البلاد الشمالية ما وراء البحار، أو ما وراء البحر الأسود.

المماليك.. امتداد دولة الأسياد

إن الأتراك المماليك الذين حكموا مصر عاشوا كرقيق في عهد الدولة الأيوبية، لهذا اعتبر بعض المؤرخين أن دولتهم ما هي امتداد لدولة أسيادهم الأيوبيين أو فرع منها على أقصى تقدير.

ويعتمد أصحاب هذا الرأي على ما قام به الصالح نجم الدين بن الكامل الأيوبي من استكثارهم حيث جلب أكثر من ألف مملوك زمن حياة والده، ما جعل الأخير يغضب من تصرفه ويرتاب فيه، ما أدى إلى نفيه إلى بلاد الشرق.

بعد وفاة والده عاد نجم الدين وحكم مصر سنة 1237، فعمل على زيادة عدد المماليك وخصص لهم جزيرة الروضة، ووضع لهم نظاماً تربوياً خاصاً يعتمد أساساً على تعليمهم العربية، وأسس الإسلام ومنعهم من مخالطة العام، ما جعلهم ينشأون في معزل عن الحياة الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العربي بمصر، وهذا بطبيعة الحال صنفهم ضمن الطبقة الواحدة التي تحارب كل الطبقات الأخرى من أجل المحافظة على وجودهم أولاً، ولتحقيق مكاسب اقتصادية ثانياً.

على كل نجح الأتراك المماليك في تقديم القوة الكافية لحماية دولة الصالح نجم الدين أيوب أمام أطماع إخوته وأبناء عمومته الأيوبيين، كما نجحوا في رد عدوان الصليبيين الذين نزلوا دمياط كغزاة، وأزاحوا خطر الحرب والموت عن مصر.

بداية التمرد المملوكي

كل ذلك أعطاهم دافعاً قوياً لرفض ابن سيدهم الصالح نجم الدين – توران شاه – الذي عاد بعد وفاة أبيه إلى مصر ليدير شئونها باعتباره ولي العهد، فقد أساء معاملتهم ما دفعهم لقتله وتنصيب شجرة الدر زوجة أبيه الصالح نجم الدين سلطانة للبلاد سنة 1250.

لكن شجرة الدر لم تحكم سوى ثلاثة أشهر، إذ تنازلت عن السلطة بعد أن قبلت الزواج من أيبك التركماني تحت ضغط المماليك الذين أصبحوا أصحاب القوة الفعلية وأصبحت الإرادة السياسية في أيديهم، فنصبوا أيبك ليكون أول مملوك يحكم المماليك.

غير أن أيبك استعظم أمر الاستقلال وخشى من أبناء البيت الأيوبي، ما جعله يشرك الأشرف موسى بن يوسف بن الملك الكامل بن محمد بن الملك العادل صاحب اليمن. والأشرف هذا كان صغيراً في السن لكنه كان بمثابة غطاء شرعي لأيبك، فهو مجرد واجهة بينما السلطة الفعلية في يد المماليك.

ووجود الأشرف هذا جعل الكثير من المؤرخين لا يعتدون بقيام دولة المماليك تلك الفترة، فلم يستقر لهم الأمر إلا في سنة 1253 عندما تخلص أيبك من خصومه، فتجرأ على خلع الأشرف وكان ذلك إعلاناً لقيام دولة المماليك في مصر.

اغتيال توران شاه في لوحة تعبيرية

اضطرابات وانقلابات

وكما هو متوقع تأزم الموقف بين المماليك والأيوبيين في الشام، ما جعل المماليك يخوضون حروباً ضدهم استمرت لفترة.

وفي ظل هذه الاضطرابات السياسية والصراعات والحروب بين المماليك وأبناء البيت الأيوبي في الشام قُتل أيبك على يد شجرة الدر سنة 1257 بسبب التنافس على الحكم والتمتع بالمزايا الاقتصادية، فأقام مماليك أيبك ابنه الملك المنصور عليّ الذي كان صغيراً في السن ووقع تحت تأثير أمه، فبدأ بتصفية شجرة الدر بتشجيع من مماليك أبيه الذين اختاروا له فارس الدين أقطاي ليكون وصياً على عرش أبيه حتى يصل سن الرشد.

والملاحظ أن أهم ما يميز فترة التأسيس التي مرت بها دولة المماليك عدم الاستقرار وكثرة الخلافات بين القادة والأمراء، فقد حدث خلاف بين مماليك أيبك وفارس الدين أقطاي الوصي على عرش المعز، ما دفع المماليك لاستبعاده وتكليف سيف الدين قطز وصياً على السلطان.

بيد أن الأمر لم يستمر طويلاً، فبسبب سوء أحوال الإقليم وصغر سن السلطان ووقوعه تحت تأثير أمه، خلع قطز السلطان وحكم مصر سنة 1258، وبعد ذلك توالى انتقال السلطة بين أمراء المماليك حتى سقوط دولتهم سنة 1517 بعد دخول العثمانيين مصر.

 

تمثال لسيف الدين قطز

المصدر

  • كتاب «المماليك البحرية في مصر. دراسة مجتمعية تاريخية 648-784هـ/1250-1382م». الدكتور خالد علي عبد القادر.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا