الأيام الأخيرة في حياة طومان باي.. من الوشاية إلى حبل المشنقة

الأيام الأخيرة في حياة طومان باي.. من الوشاية إلى حبل المشنقة

لا تمثل معركة الريدانية التي وقعت في 22 يناير سنة 1517 بداية العصر العثماني في مصر فحسب، وإنما أيضاً تمثل بداية النهاية للسلطان المملوكي طومان باي الذي شُنق بعد القبض عليه إثر وشاية قام بها الشيخ حسن مرعي شيخ قبيلة عرب محارب بالغربية.

الفرار للدلتا

وبحسب الدكتور أحمد فؤاد متولي قي كتابه «الفتح العثماني للشام ومصر ومقدماته من واقع الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة»، تفرق جنود طومان باي وانفضوا من حوله بعد هزيمته من العثمانيين، فقرر في يوم الجمعة 27 مارس الهرب بعيداً في الدلتا في مكان أمين، بعد يأسه من الصمود في معركة غير متكافئة العدد والعدة.

وقال طومان باي لأتباعه الذين كانوا برفقته «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. اعلموا يا أغوات أن دولتنا قد دالت وآجالنا قد مالت، وما بقي لنا في هذه الديار نصيب».

توجه طومان إلى مدينة سخا بالغربية حيث الشيخ حسن بن مرعي، وابن عمه شاكر شيوخ قبيلة عرب محارب، إذ كان قد ولاهم عليهم بعدما أطلق طومان باي حسن من الحبس، بعد أن كان السلطان قنصوه الغوري قد حبسه وكتب على قيده «مخلد» أي يحبس مدى الحياة.

وكان طومان باي قد أطلقه بعد أن تولى السلطنة، وأخذ عليه العهود والمواثيق أن يكون معه ظاهراً وباطناً، ويكون معه بالقلب والقالب إذا احتاج الأمر لذلك.

لذا لم يجد طومان باي خيراً من حسن وابن عمه، فتوجه إليهما بجنوده حتى يلتقطوا أنفاسهم ويدبرون أمرهم تجاه العثمانيين.

وبالفعل، لقي أبناء مرعي طومان باي وجنوده بكل ترحاب وعزموا عليه بالضيافة بعد أن قبلوا يده، فقال لهم السلطان «ما نحن فاضون للضيافة ولا لغيرها، والعدو في أثرنا وقامت علينا العربان.. وما جئت لك إلا لتنظر لنا محلاً نحتمى فيه ثم ندبر أمرنا».

رحب آل مرعي بقدوم السلطان وركن طومان باي إلى ولائهم، وأحضر لهم مصحفاً وحلف ابني مرعي على ألا يخوناه، ولا يغدران به، ولا يدلسان عليه بشيء من الأشياء، ولا لسبب من أسباب المسك، ولا يدلان عليه.

حلف حسن وشاكر على المصحف سبع مرات، فطاب قلبه إلى ذلك واستقر عندهما.

الوشاية مقابل المكافأة

وبعد أن اطمأن حسن بن مرعي على استقرار طومان باي ومن معه، خرج عنهم ليستطلع الأخبار، وقد حدثته نفسه بالخيانة، ويقال أن مجادلة حادة وقعت بينه وبين أمه في أمر الخيانة، وحذرته أمه من هذا العمل، وأخذت تذّكره بما للسلطان عليه من أيادٍ بيضاء، وجهدت في نصحه، فلم ينتصح إذ كان يطمع في المكافأة، وشجعه شاكر ابن عمه على ذلك.

أبلغ حسن بن مرعي السلطان العثماني سيلم الأول بوجود طومان باي مختبئاً عنده، فبعث إليه سليم بفرقة من جند كان على رأسها أمير الرومللي مصطفى باشا وعلى بك بن شهسوار وجان بردي الغزالي شقيق زوجة طومان باي الذي خانه في معركة الريدانية.

قبض الجنود على طومان في 30 مارس، وأحضروه مقيداً إلى مكان يدعى «أم الدينار» ثم نُقل إلى الجيزة، ومنها عبر النيل إلى بولاق حيث مقر السلطان العثماني.

اللحظات الأخيرة

ويروي الدكتور عبدالمنعم ماجد في كتابه «طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر»، أن سليم، قال لطومان باي عندما مثل أمامه معاتباً: كم نهيناك عن القتال، وسفك دماء المسلمين، وإني أرسلت لك من الشام أن تجعل السكة والخطبة باسمي، وأنت مقيم على مصر، فأبيت ذلك، وقتلت رسلي، والرسول لا يُقتل، بل قتلت قضاة بلادك، ولم تقبل الصلح.

كذلك أشار إليه، أنه واجب الطاعة لأنه سلطان ابن سلطان، بينما طومان باي من المماليك، الذين لا يعرفون حتى آبائهم، وربما كانوا من أولاد النصارى.

ناقش طومان باي سليماً وهو في الأسر باعتبار أنه سلطان مصر، ومعتزاً بالمثل العليا، فلم يتخاذل أو يطلب الرحمة، وانتهى الأمر إلى استبقاء طومان باي في السجن نحو أسبوع وربما 17 يوماً تشفياً فيه قبل إعدامه على باب زويلة.

ورغم ذلك، قيل إن سليماً لم يكن يقصد قتل طومان باي، وكان ينوي إطلاقه، أو أخذه معه إلى بلاده، أو حتى إرساله إلى مكة، ولكنه لما سمع أن الناس لا تصدق بمسكه، حنق من ذلك وتحت نصيحة أمراء المماليك أنفسهم الذين انحازوا إليه مثل خاير بك والغزالي قرر سليم قتله.

وفي يوم شنقه، تقدم طومان باي نحو الحبال، وحوله جنود العثمانية مسلولة السيوف، فطلب طومان باي من الناس قراءة الفاتحة له ثلاث مرات، فقرأت الناس معه، ثم قال للجلاد: «اعمل شغلك». فكان الحبل يقطع به مرتين، وفي كل مرة يعلقوه من جديد، وشُنق إلى أن مات.

بقي طومان باي معلقاً ثلاثة أيام، ثم أنزلوه لما فاحت رائحة جسده، ووضعوه في تابوت، وغسّله القاضي وكفنه من ثياب أرسلها سليم، ثم صلى عليه، ودفن في فسقية قبة السلطان الغوري، كما أرسل سليم ثلاثة أكياس من الفضة تصدقوا بها عليه.

المصدر

  • *كتاب «طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر». عبد المنعم ماجد.    *كتاب «الفتح العثماني للشام ومصر ومقدماته من واقع الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة». أحمد فؤاد متولي.

محمد أحمد

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية