مفيدة عبد الرحمن.. الحياة الخاصة لأول محامية في مصر

تزخر الحركة النسوية في مصر بعدد كبير من الأمثلة لنساء حققن نجاحات كبيرة في مجالاتهن، بل ومهدن الطريق لنساء أخريات جئن بعدهن وسلكن طريقاً كان من المستحيل طرق أبوابه في زمن مضى. إحدى هؤلاء هي المحامية مفيدة عبدالرحمن.

كانت أول سيدة في مصر تعمل بالمحاماة، وتمثيل دائرتها في البرلمان، وهو ما استعرضه هشام نصر في كتابه «نساء ضد التيار.. رائدات العمل النسائي في مصر»، حيث ألقى الضوء على محطات مهمة في حياتها العملية والأسرية.

الحياة الأسرية لمفيدة عبد الرحمن

وُلدت مفيدة في 19 يناير عام 1914 بحي الدرب الأحمر بالقاهرة، وكان أبوها عبدالرحمن محمد الموظف بهيئة المساحة موهوباً بجمال الخط، فكتب المصحف بيده 19 مرة، أما زوجها الكاتب الإسلامي محمد عبداللطيف بن الخطيب فعكف على تفسير القرآن، وله العديد من الكتب والأبحاث.

أنجبت مفيدة عبدالرحمن 9 أبناء، وحصلت وهي زوجة وأم لأربعة على ليسانس الحقوق عام 1939، فكانت أول فتاة تدخل كلية الحقوق بجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) عام 1935، ثم كانت بعد تخرجها أول من تمارس المحاماة وتفتح مكتباً خاصاً بها.

وخلال رحلتها مع المحاماة، مرت مفيدة بعدد من المحطات، لكن أبرزها كان مع رائدة الحركة النسوية في مصر درية شفيق التي خضعت للمحاكمة عام 1951، بعد أن تمكنت من جمع 1500 امرأة سراً من مجموعتين نسائيتين رائدتين في مصر في ذلك الوقت، هما «بنت النيل» و«الاتحاد النسائي المصري»، ونظمت بهن مسيرة أمام البرلمان لمدة أربع ساعات للإعلان عن مطالب تتعلق بشكل رئيسي بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمرأة المصرية.

وقتها أصرت درية شفيق على أن تترافع عنها مفيدة عبدالرحمن. وعندما بدأت القضية أمام المحكمة، حضر العديد من أنصار «بنت النيل» في قاعة المحكمة، وأرجأ القاضي الجلسة إلى أجل غير مسمى.

مفيدة عبد الرحمن والعمل العام

كانت مفيدةعبد الرحمن أيضاً أول سيدة تشغل منصب عضو بمجلس إدارة بنك، وأول سيدة مصرية مصرية تستمر عضواً بمجلس الأمة 17 عاماً متصلة، بل وأول محامية في العالم العربي تترافع أمام المحاكم العسكرية العليا، وأول محامية تُقيد بالنقض.

الأكثر من ذلك أن مفيدة عبد الرحمن انخرطت بالعمل العام، ومثلت دائرة الأزبكية والظاهر في البرلمان لدورات عديدة.

كما شغلت مفيدة رئاسة جمعية نساء الإسلام منذ عام 1960 حتى رحيلها، وأنشأت العديد من مكاتب توجيه الأسر التي عنيت بالتصدي لمشاكل الأسرة، فضلاً عن بيوت الطالبات التي آوت مئات المغتربات ممن جئن للدراسة أو العمل من خارج القاهرة.

وفي إطار شغفها بالعمل العام أيضاً، شغلت مفيدة عضوية مجلس نقابة المحامين، ودربت العشرات منهم أبناؤها وحفيد لها.

والتحقت مفيدة أيضا بعضوية مجلس الاتحادات الجامعية، والمؤتمر الوطني للاتحاد الاشتراكي، والاتحاد الوطني، ومجلس هيئة البريد.

معادلة صعبة

تقاعدت مفيدة عن العمل عندما بلغت الثمانين، ورغم الحياة العملية القاسية الي اختارتها لنفسها، استطاعت أن تحل المعادلة الصعبة التي تعجز معظم السيدات عن حلها.

فقد كانت زوجة سعيدة جداً، وأشهر محامية في مصر، وقصة زواجها الذي دام حوالي 48 سنة ونصف السنة إلى أن توفى زوجها المرحوم محمد عبداللطيف كانت ملحمة حب رائعة، ومثلاً راقياً للحياة الزوجية القائمة على الاحترام المتبادل والعطاء بلا حدود من الطرفين.

فهذه السيدة التي كانت في يوم من الأيام عضواً بارزاً بمجلس الأمة، ومحامية مشهورة جدا،ً تعمل صباحاً ومساءً بلا توقف أو راحة، كانت أيضاً أماً لتسعة أولاد، وزوجة محبة جداً لزوجها الذي تدين له بكل الفضل في تشجيعها ودفعها للدراسة ثم للعمل.. وتوفيت مفيدة في صباح 3 سبتمبر 2002 عن عمر يناهز 88 عاماً تاركة وراءها نموذجاً يُحتذى به.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا