بيتهوفن.. ابن السكير الذي ملك آذان عشاق الموسيقى

لم ينل بتهوڨن لقب عظيم عظماء الموسيقى من فراغ، فهناك عوامل ذاتية وموضوعية ساهمت في تشكيل شخصيته، ومن ثم فنه الذي ما زال مُخلداً حتى الآن. نتناول معكم بعض المحطات الحياتية لسيد الموسيقيين في كتابه «بيتهوڨن».

بيتهوفن.. ابن الشعب

وُلد لوڨيج فان بيتهوڨن بمدينة بون على الضفة اليسرى لنهر الراين، في السادس عشر من ديسمبر عام 1770، وهذا التاريخ استنتاجي محض، فالثابت هو أن المولود عُمد وسُمي «لودڨيج» بالكنيسة يوم 17 ديسمبر من ذلك العام، وأن التقاليد على ضفاف الراين جرت بأن يُعمد الأطفال في اليوم التالي لميلادهم.

كان بيتهوڨن ابن الشعب حقاً. نشأ جده في صميم الديمقراطية الفلمنكية القديمة، بمدينة لوڨان، ثم هاجر إلى إمارة بون من أجل العيش، ودخل في خدمة الأمير مغنياً، وارتقى حتى بلغ مرتبة شيخ عرفان الكنيسة. وكان إلى هذا يتاجر في النبيذ تعزيزاً لدخله. لكن زوجته اختارت الالتحاف بالدير.

ولا عجب أن ينشأ ابن تلك السيدة – وهو والد بيتهوڨن – مدمناً سكيراً، وكان قد أُلحق ضمن عرفان الكنيسة إكراماً لخاطر أبيه رئيس العرفان.

زواج بيتهوفن 

على كلٍ، تزوج بتهوفن سيدة من بلاد الراين، ترملت عن وصيف من وصفاء قصر الإمارة، وكان أبوها رئيس طهاة الأمير، وأنجب الزوج الثاني منها أطفالاً من بينهم «لوڨينج»، الذي شاءت له الأقدار أن يصبح سيد الموسيقيين.

وهكذا نشأ بيتهوڨن في وسط مغنيين وتجار نبيذ وطهاة، والتقارب واضح كما يظهر بين الخمر والإنشاد والطهو الطيب.

وكان رؤساء الدويلات الألمانية آنذاك، من ملوك وأمراء وكبار أساقفة في أغلبهم هواة موسيقى، ما بين ذواقة، وعازفين، ومغنين، ومؤلفين.

وكان من حظ فن الموسيقى حقاً أن يشب بيتهوڨن في وسط متواضع، ولو أن من نكد الدنيا أن يُولد لوغد سكير سوّد عيش زوجته – أم بيتهوڨن – ومرر عيشة الغلام الموهوب، وهو يضطهده ويقسو عليه كي يخلق منه أعجوبة موسيقية جديدة، ليكسب من ورائه ما يفتح له أبواب الرزق.

بيتهوفن والثورة الفرنسية

أيضاً، نشأ بيتهوڨن على ضفاف الراين في وسط شديد التأثر بالحوادث التي شهدتها باريس، حيث قام أشباه له من أبناء الشعب بثورة عارمة عام 1789، أطاحت بكل مقدسات العصور الماضية وخزعبلاتها التي نبتت وتوغلت حول إقطاع القرون الوسطى، وانتهت إلى استبداد لويس الرابع الي أن أجاب عن سؤال بسيط بصراحة: ما الدولة؟، فقال: الدولة أنا.

والحقيقة التاريخة هو أن بيتهوڨن يعد من أبناء الثورة الفرنسية، وأن مواقفه من أحداث عصره كانت تعبر عن موقف الشاب التقدمي، الذي نشأ في أسرة تخدم الإقطاع، وتعيش على فُتات الأمراء ونبيذهم، فكره الإقطاع وجنح طوال عمره إلى توكيد شخصيته، وفرضها على مجتمع النبلاء الذي خالطه وعاشره، بعد أن هجر بون إلى ڨيينا.

ويمكن القول أن بيتهوڨن آخر من لبس لباس الخدم من الموسيقيين، وقد أزاله عنه منذ أن غادر مسقط رأسه وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويمم شطره ڨيينا ليُتم تعليمه، ثم ليغزو العالم الكبير، بموسيقاه. ولباس الخدم هو السترة المزركشة التي كان يلبسها الموسيقيون في جوقات (فرق) الأمراء، ولبسها بيتهوڨن وأبوه وجده.

ولأن بيتهوڨن وحياته كانت كلها ثورة على الأرستقراطية التي عاش بين ظهرانيها، فقد اتجه لتأليف سمفونيته الثالثة إعجاباً بابن الثورة الفرنسية نابليون بونابرت، لكن خبر جاءه عام 1804 بتحول قنصل الجمهورية الأول إلى عاهل مستبد باسم الإمبراطور نابليون، فمزق السمفونية بالطول ورمى بها أرضاً، وانتهى أمره إلى محو اسم بونابرت من عنوان سمفونيته الثالثة وسماها «سمفونية البطولة – في ذكرى رجل عظيم».

وبشكل عام، كانت حياة بيتهوڨن كلها صورة من ثورة الفرد على الذل والعبودية، وإن كان ذلك في صميم الوسط الأرستقراطي الذي قام بتدليله وأعجب بفنه. ويُروى أن الأرشيدوق رودلف ابن الإمبراطور تلميذاً لبيتهوڨن وصديقه الحميم، فلما ذهب الموسيقي إلى قصر الأمير ليعطيه درسه، ضاق ذرعاً بما طالبه به رجال الأرشيدوق من مراسم الطاعة وفروض العبودية، فأمر الأمير رجاله بأن يتركوا الفنان العظيم حراً، وأن يكفوا عن إلزام أستاذه بألاعيب القردة هذه.

 

المصدر

  • كتاب «بيتهوڨن». الدكتور حسين فوزي.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا