اختلفت طقوس الموت عند المصريين خلال العصور المتعاقبة في توديع ذويهم إلى مثواهم الأخير. الرحالة الإنجليزي إدوارد وليم لاين دونّ مشاهداته عن هذه الطقوس أثناء زيارته لمصر في منتصف القرن الـ19 في كتاب «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم - 1833-1835». «شبابيك» يستعرض في هذا التقرير مراسم توديع الموتي قبل 200 عام.

اليمنية والمولولات

يتصدر الجنازة نحو 6 أشخاص أو أكثر من الفقراء يُعرفون بـ«اليمنية»، وهم كفيفون بمعظمهم، ويمشون اثنين وراء اثنين، أو ثلاثة وراء ثلاثة، فيعتدلون في خطواتهم، أو يسيرون سيراً بطيئاً مرددين دون انقطاع الشهادتين.

يتبع هؤلاء بعض أقارب الميت وأصدقاؤه من الذكور أو أكثر من الدراويش يحملون رايات طبقتهم الصوفية التي ينتمون لها. وتلك العادة متبعة في تشييع أحد الدراويش. ثم يليهم نحو أربعة صبية من التلاميذ يحمل أحدهم مصحفاً يرفعونه فوق مقرأ مصنوع من أغصان الشجر مغطى بمنديل مطرّز.

وتسير النساء المولولات خلف النعش جماعات من 10 أو 20 وقد غطّين شعرهن الأشعث من كثرة الندب، وترافقهن غالباً الناحبات اللواتي ينتحبن ويتباكين مقابل أجر محدد يُدفع لهن وهنّ يذكرن خصائل الميت الحميدة.

أقارب الميت

وتتميز قريبات الميت وخادماته عن النساء الأخريات بغطاء من الكتان أو القطن أزرق اللون، عادة يلف رؤوسهن ويخلص إلى ظهورهن في عقدة واحدة وتنسدل أطرافه مسافة قصيرة، وتحمل الواحدة منهن منديلاً باللون الأزرق يجعلنه أحياناً فوق أكتافهن أو رؤوسهن أو يسدلنه فوق وجوههن. ويتحد عويل النساء ومدح الصبية، وترديد اليمينة في بوتقة واحدة يميزها عدم تناغم غريب.

وقد يسير أمام نعش رجل الثراء أو ابن الطبقة المتوسطة نحو أربعة جمال تنقل الخبز والماء، ويوزعونها على الفقراء عند الضريح إضافة إلى أطياف متنوعة من الناس.

ولولة وندب

لا يبدّل الرجال لباسهم للدلالة على حزنهم ولا النساء عند موت رجل متقدم في السن، إلا إنهن يلبسن ثوب الحداد عند موت غيره. فيقمن بصبغ قمصانهن وأغطية رؤوسهن ومناديلهن باللون الأزرق، وتصبغ أخريات أيديهن وأذرعهن باللون نفسه حتى المرفقين ويلطّخن جدران الغرف.

وعند وفاة رب المنزل، يقلبن السجاد والحُصر والوسادات وأغطية أخرى رأساً على عقب. وتترك النساء شعرهن طوال فترة الحداد منسدلاً فلا يسرحنه، ويستغنين عن التزين ببعض حلاهن.

تعود نساء عائلة الميت إلى الولولة والندب ثانية قبيل انقضاء أول خميس بعد الدفن، ويبدأنه أحياناً باكراً صبيحة ذلك اليوم، ويشاركهن الندب بعض صديقات العائلة. ويقوم أصدقاء الميت في فترة بعد ظهر ذلك اليوم أو في المساء بزيارة منزله ويقوم أربعة فقهاء بإتمام ختمة للقرآن.

وتتوجه النساء نهار الجمعة إلى القبر فيأخذان سعفة نخل ويكسرنها ويضعنها على القبر إضافة إلى بعض الحلوى والخبز يوزّعنه على الفقراء. وتتكرر هذه التقاليد في الأسبوعين التاليين في الأيام نفسها ويومي الخميس والجمعة اللذين يختمان أو يعقبان فترة الأربعين الأولى التالية للدفن، ويعرف نهار الجمعة بالأربعين أو بـ«جمعة الأربعين».

رقص ووحل

ومن العادات المنتشرة بين فلاحي الصعيد أن تلتقي قريبات المتوفي وبعض صديقاتهن على مقربة من منزله في الأيام الثلاثة الأولى بعد إتمام مراسم الدفن، فيندبن ويؤدين رقصة غريبة. كما يلطخن وجوههن وصدورهن وقسماً من أثوابهن بالوحل ويلففن خصورهن بحبل مصنوع من «الحلفة» وهو نوع من النبات خشن الملمس يصنعون من أوراقه حصراً وحبالاً.

 وتحمل الواحدة من هؤلاء النساء سعفة نخل بيدها أو نبوتاً أو سيفاً، فترقص بخطى بطيئة وبشكل غير انتظامي وترفع جسدها وتخفضه في كل مرة.

ويستمر هذا الرقص نحو الساعة، ويتم مرتين أو ثلاث خلال اليوم. وتزور النساء القبر عند انقضاء اليوم الثالث فيضعن «حلفاتهن» وينحرن خروفاً أو ماعزاً ويقمن وليمة بهذه المناسبة.



المصدر

كتاب «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم - 1833/1835». إدوارد وليم لاين.

0
0
0
0
0
0
0