مستعمرة إسرائيلية

مستعمرة إسرائيلية


الشكل الاستعماري الديني من إسرائيل للبنان.. نموذج الضفة يتكرر

تميزت الحروب واحتلال الأراضي بنموذج ثابت إما من خلال العمليات العسكرية وهذا منذ بدأت البشرية وبناء الإمبراطوريات، ثم تطور الوضع بالاحتلال الاقتصادي وهو ما برز بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح وجود قوة عسكرية للعدو على الأرض ذو تكلفة مرتفعة، فهنا يكون الاحتلال من خلال العولمة وفرض قوانين اقتصادية والضرائب التجارية وهذا يتمثل بشكل واضح في الحرب بين الولايات المتحدة والصين حاليًا، وهناك الحرب الباردة وهي حرب التسليح والتطور التكنولوجي والسباق في مختلف مجالات العلوم مثلما كان بين الإتحاد السوفيتي وأمريكا، هذا ما عرفه التاريخ، حتى أشد الإمبراطوريات فتكًا لم تخرج في احتلالها عن هذه الطرق إلا إسرائيل.

الكيان المحتل بجانب استخدامه الشكل العسكري في احتلال فلسطين، إلا أنه اخترع شكل جديد من أشكال الاستعمار، وهو المستوطنات، شكل لم تتفوق فيه النظم الدكتاتورية المحتلة حول العالم من قبل ولم ترسم معالمه كما فعلت إسرائيل، حيث تقدم للجميع نموذج يحتذي به ويدرس في كتب المستعمرين حول كيف تنتزع الأرض من صاحبها بهذه الفكرة، وكيف أن المستوطنة هي البنية الأساسية واللبنة للمجتمع الإسرائيلي.

في تحقيقنا، سنقوم بمتابعة ورصد كيف تقوم دولة الاحتلال بتكرار فكرة المستوطنة التي نفذتها في فلسطين لكن هذه المرة في جنوب لبنان، لتحقق هدفها الأول والوحيد منذ نشأتها وهو دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

ما هي المستوطنات الإسرائيلية؟

نحن هنا لسنا في صدد الحديث عن تعريف المستوطنة فهي معروفة للصغير قبل الكبير، بل في الغوص في نقاط قد لا تلاحظ حول المكون الاجتماعي الأول للمجتمع الصهيوني.

قد يظن البعض أن المستوطنات بدأت بإعلان إسرائيل الكبرى في 1948م وهو خطأ شائع، فالمستوطنة كانت فكرة متواجدة من قبل في عصر الخلافة العثمانية، لكن ما يهمنا في شكلها الحديث أنها فكرة قامت على وجود كيان يهودي على أراضي ليست لإسرائيل سيادة عليها، فالمحتل هنا يستخدم هذه الطريقة كوسيلة مدنية لاحتلال الأرض.

وفق موقع israelpolicyforum فإن المستوطنات بدأت في شكلها الحديث بعد حرب الأيام الستة في عام 1967م، وعند الحديث عنها فإن النموذج الذي تراه إسرائيل ناجحًا حتى اللحظة هو ما طبقته في الضفة الغربية، حيث كانت الفكرة قائمة منفذة في قطاع غزة لكن لم تستمر وتفلح مثل الضفة.

وفق الإحصائيات الرسمية المقدمة من الموقع فإن عدد المستوطنات الحالية يبلغ عددها 132 مستوطنة، وتعداد سكانها الرسمي هو 465,400 ألف، مع مراعاة أن هناك بؤر استيطانية غير قانونية - ويالها من مهزلة حول من يتحدث عن القانون -.

هنا يطرح سؤال، كيف تعتبر المستوطنة هي كيان يهودي على أرض ليس للكيان سيادة عليها وبنفس الوقت نرى ما نراه يوميًا في الضفة ؟

الإجابة بسيطة وهي أنه رغم ما تراه من تدخل حكومة الاحتلال إلا أنها تعتبر أن الضفة أو بالأصح يهودا وسامرة ليست رسميًا حتى اللحظة تحت سيادتها، لذلك كانت الدعوات في الفترة الأخيرة لضمها رسميًا برعاية رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب.

عند الحديث عن ديموغرافية المستوطنين، هل كلهم من نفس النسيج المجتمعي؟

بالطبع لا وهذه أول نقطة لا ينته لها أحد تقريبًا، حيث وفق الإحصائيات الرسمية من نفس المصدر israelpolicyforum أن المستوطنين مقسمين إلى: الثلث من الحريديم، والثلث من العلمانيين والثلث من الصهاينة المتدينين.

وهنا يأتي سؤال آخر، لماذا لا تقوم إسرائيل بحملة عسكرية على الأراضي التي ليس لها سيادة عليها لاحتلالها بدلًا من فكرة المستوطنات ؟

الإجابة بسيطة وبديهية وهي بجانب أن التكلفة العسكرية ستكون مرتفعة وأن المقاومة لن تقف صامتة وسينشب عدم استقرار في المنطقة المتنازع عليها، ظهرت فكرة المستوطنة لتكون احتلال مدني غير مكلف، حيث لن تخرج المقاومة لضرب مدنيين فهذه ليست أخلاقهم التي عهدناها عليهم، وبنفس الوقت إسرائيل تعترف علنًا أن منطقة المستوطنات ليس تحت سيادتها، فهم في النهاية مجرد مدنيين من اليهود !

إذا فهدف المستوطنة هو التواجد في أرض متنازع عليها أو إسرائيل تضع عينها عليها لاحتلالها، فتبدأ في بناء مستوطنات فيها لتستحوذ عليها ويقوم المستوطنين بدورها في احتلال الأرض وطرد السكان الأصليين منها والاستفادة من الموارد الطبيعية.

وكذلك تستغلهم الحكومة باعتبارهم خط الدفاع الأول عنها قبل تدخل الجيش، بل ووضعت استراتيجية فعالة في توطين اليهود فيها، حيث كانت في البداية تضع المستوطنات في مكان بعيد عن الكثافة السكانية لتضمن الأمن فيها.

هنا نقف عند تساؤل هام، كيف انتقلت المستوطنات من أماكن محدودة السكان إلى مناطق كثيفة السكان خصوصًا في ظل كره الفلسطينيين العميق لاسرائيل فلن يتقبلوا بكل تأكيد المستوطنين اليهود من جهتهم ؟ هنا الإجابة بسيطة وهو العامل الديني.

مع تطور الأيدلوجية الصهيونية، أوضحت إسرائيل للمستوطنين أن بناء المزيد من المستوطنات داخل المناطق ذات الكثافة السكانية هو واجب ديني لقيام إسرائيل الكبرى ومنع قيام دولة فلسطينية، حيث سيكون الهدف هنا هو هيمنة اليهود على الأرض كاملة.

لكن نقف أمام نقطة قد تجدها غير منطقية قليلًا وهي من الشخص أو هنا من اليهودي الذي سيضحي بنفسه ليعيش في مستوطنة يحيط به أشخاص يكرهونه كثيرًا، كيف سيتعامل ويتعايش هو وأسرته ؟ عند التفكير في الأمر، من المجنون الذي سيرمي نفسه إلى هذا العذاب.

هنا جاءت الإغراءات من حكومة الاحتلال، وبالرجوع للتقسيم المدني للمستوطنة سنجدهم ثلاث فئات، جزء حريديم وجزء صهاينة متدينين وجزء علماني كما ذكرنا سلفًا.

جزء الحريديم والصهاينة المتدينين لا يحتاجون لحافز خارجي فهو موجود بالفعل وهو الحافز الديني، يبقي الجزء الثالث وهو العلماني، وهنا كان الإغراء بتحسين مستوى المعيشة، حيث تقدم الأموال لهم وهنا تكون المخاطرة تستحق، فهم سيعيشون في مستوى مرتفع وبالطبع إسرائيل توفر لهم مستوى الأمان أو الحد الأدنى منه على الأقل.

لنرجع للأرقام، 67% من اليهود المقيمين في مستوطنات الضفة مستقرين بها من أجل توفير مستوى معيشي مرتفع، وهنا تكون إسرائيل قد حققت نجاحها في استقرار المعيشة.

أول مستوطنة هي كفار عتصيون في عام 1967م، حيث فترة الانتكاسات في المنطقة العربية في حربهم ضد إسرائيل.

بالنظر إلى تطور سياسة الاستيطان في فلسطين الحبيبة، سنجد أن هدفها كان يتطور ويكبر سنة تلو الأخرى، حيث في عام 1977م أعلن بشكل صريح أن الهدف هو تطويق السكان الفلسطينيين في الضفة، وتأمين سلسلة الجبال التي تطل على السهل الساحي الإسرائيلي، بعدها أصبح الهدف هو زعزعة التماسك الديموغرافي للفلسطينيين وفق خطة دروبليس التي قدمها رئيس الاستيطان في المنظمة الصهيونية وقتها ماتيتياهو دروبليس، وصولًا إلى أوسلو وسياسة الاستيلاء على الأرض والانتفاع منها.

اقتصاد المستوطنات يعتمد بشكل كبير على المساعدات من حكومة الاحتلال حتى يظل المستوطنون يعيشون فيها، والبعض منهم يذهب للعمل في قلب إسرائيل ثم يرجع إلى مستوطنته، ووفق الإحصائيات المالية فإن الفرد الذي يعيش في منطقة يهودا يحصل على 3762 شيكل بالمقارنة بمن يعيش في إسرائيل نفسها، و5950 شيكل للمقيم شرق الجدار الأمني وهذا في عام 2014م، وفي عام 2017م حصلوا على إعفاءات ضريبية وتسهيلات.

والغريب عند النظر في مجال الزراعة والصناعة سنجد أن عدد المستوطنين العاملين فيهم ضعيف للغايه في قلب الضفة عكس مستوطنات الحدود، ومن سيعمل فيهم يا ترى في وجود هذا الدعم المالي السخي.

عند تلخيص تاريخ المستوطنات في نقاط سنجد التالي:

  • تبنى على أرض ليس لإسرائيل سيادة عليها.
  • يعتمد اقتصادها بنسبة كبيرة على الدعم المادي من الحكومة.
  • تعمل على التغيير الديموغرافي لسكان المنطقة التي تتواجد فيها.
  • تعتبر خط الدفاع الأول أمام أي خطر خارجي.
  • تتكون غالبيتها من الفئة الدينية من اليهود والمتشددين.
  • تكلفتها أقل بالمقارنة بالحملات العسكرية التي لا تستطيع اسرائيل أن تقوم بها لفترة طويلة.
  • مخاطرها أقل فهي ليست قاعدة عسكرية بل مدنية.
  • هدفها الأساسي هو احتلال الأرض وطرد السكان الأصليين.

هذا بكل بساطة النموذج الذي قامت بتنفيذه إسرائيل في الضفة والتي تخطط لعمله في الشهور القادمة في جنوب لبنان، لكن كيف ؟ وهل سيكون بنفس تدرج السنين التي قضتها في المستوطنات الأولى ؟ هنا يأتي دور تحقيقنا في هذا الشأن، سنفند الإطار الأساسي لهذه العملية وفق الوضع السياسي والعسكري بشكل خاص في الكيان وبشكل عام في الشرق الأوسط ولبنان.

المستوطنات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية

دعنا نحدد سويًا الفكرة من البداية وحتى لحظة أخذ القرار اليوم، نحن نتفق أن لبنان هي جزء من مطمع إسرائيل في حلمها بإسرائيل الكبرى، هذه الخريطة التي تتباهى بها أمام العالم كله والنبوءة التي تحلم بتحقيقها مهما كان الثمن، لذلك الدبلوماسية في مناقشة هذا الأمر من كل دول المنطقة المستهدفة لن يزحزح الكيان عن خطته، فهو أمر ديني وليست حسابات اقتصادية كما هي أشكال الاحتلال السابقة في القرن الماضي.

نحن أمام أكثر من معضلة حول الاستيطان في جنوب لبنان، أولها الطبيعة الجغرافية، ثانيها وجود المقاومة، ثالثها الاضطرابات الأمنية في هذه المنطقة، رابعها الوضع الحالي في الشرق الأوسط، تحديات كثيرة تقف أمام هذه الفكرة، لكن دعنا لا ننتقل إلى هذه النقاط حاليًا قبل أن نأخذ جولة تحليلية للفكرة بالمقارنة مع وضع الضفة وكيف تعلمت منها إسرائيل دروسًا تساعدها في تنفيذ مخططها.

في البداية نحن أمام شقين، الشق الأول هو وضع المستوطنات في شمال إسرائيل على حدود لبنان، والشق الثاني هو حول التوسع في الاستيطان لداخل لبنان وليس فقط على الحدود.

في الشق الأول، إسرائيل تمتلك 32 مستوطنة في الشمال على الحدود هم كفر روش هنيكراه، حنيتا، عرب العرامشة، زرعيت، راهب، شتولا، نطوعاه، يارؤون، أفيفم، مالكية، الناقورة وعلما الشعب، ضهيرة، مروحين، عيتا الشعب، رميش، يارون، مارون الرأس، عيترون، يفتاح، منارة، كريات شمونة، مرغليون، مسفاف عام، مطلة، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، عديسة، كفركلا.

طبيعة هذه المستوطنات ليست واحدة، فمنها من اتخذته إسرائيل مناطق عسكرية مغلقة مثل عرب العرامشة والمطلة وحنيتا.

يقوم نظام هذه المستوطنات على ما يسمى الكيبوتس وموشاف، حيث يعد نظام اقتصادي قائم على المشاركة في الإنتاج والزراعة، وهو على عكس المستوطنات الأخرى القائمة على الدعم المالي، أو سكانها يعملون في قلب إسرائيل.

كان الهدف الأساسي منها هو تهويد الجليل، حيث كان واضحًا وضوح الشمس في عز النهار، والفصل بين العرب في الجليل ولبنان.

المسؤول المباشر عن المستوطنات هي الجهات المعتمدة من إسرائيل وهي مؤسسات الجيش وأجهزته، والمجلس الأعلى للتخطيط ( متاع )، ووحدة التفتيش، وحارس أملاك الحكومة والوصي على الممتلكات المهجورة، ولجنة تسييج أراضي الدولة في الضفة الغربية ( لجنة الخط الأزرق ) ومؤسسات الصهيونية الدينية، والمحكمة الإسرائيلية العليا.

لن نتطرق إلى كل هذه المؤسسات إلا المؤسسات الصهيونية الدينية، حيث هي المحرك الأساسي لفكرة الاستيطان في جنوب لبنان.

خطة الاستيطان على أرض لبنان

بعدما تعرفنا بشكل عام على شكل المستوطنات وتاريخها واقتصادها القائم والاختلافات التي بينها في نموذج الضفة، نأتي إلى الشق الخطير في تحقيقنا، وهو حول خطة الاستيطان على أرض لبنان.

منذ سنوات طويلة كانت الحدود اللبنانية الإسرائيلية خط أحمر، مناوشات كثيرة بين المقاومة متمثلة في حزب الله وبين الكيان، حيث تعد هذه المنطقة غير آمنة إطلاقًا لعمل مستوطنات، وإن حدثت فلن تجد مستوطنين يعيشون فيها فهي ليست مثل الضفة المحاصرة من السلطنة الفلسطينية والضغط الإسرائيلي، لكن حلم إسرائيل الكبرى لابد أن ينفذ وليس هناك أفضل من هذا الوقت للكيان في التحرك في خطته، خصوصًا في ظل الحرب الحالية بينه وبين إيران 2026م.

دعوات الاستيطان في لبنان ليست بالأمر الجديد، لكن لم تكن تلقى الترحيب الكبير داخل حكومة نتنياهو، لكن في الوقت الحالي، الوضع تغير رغم المخاطر والتحديات، حيث ترى إسرائيل أن حدودها لابد أن تكون إلى نهر الليطاني، مهما كان الثمن، وليس هناك أفضل من تنفيذ ذلك إلا الضغط العسكري وفكرة المستوطنات.

لكن نحن أمام بعض التفاصيل الدقيقة في هذه الخطة، وهي كيف ستنفذ ؟ ومن سيمول ؟ ومن سيتحرك ؟ ومن سيحمي ؟

سنقف هنا في البداية على تصريح موقع شومريم الإسرائيلي في حديثه عن زيادة التمويل للمستوطنات التي تضم مراكز التوراة بالمقارنة بمثيلاتها من المدارس الدينية التي لا تحتوي عليها، حيث خصصت الحكومة مبلغ 10.7 مليون شيكل لوزارة التعليم لدعم هذه المراكز في نهاية عام 2025م، وكان المبرر لذلك هو أن هذه الفئة من بين كل المستوطنين أثبتوا فعاليتهم في تقديم مساهمات لمستوطنات الشمال في السنوات الماضية.

إذا ومن خلال ذلك فإن إسرائيل ترى أن هذه الفئة هي الأقدر على الحفاظ على المستوطنات في الشمال في ظل الظروف الصعبة في هذه المنطقة بسبب صواريخ المقاومة، لذلك سيكونون هم الفئة الأقدر على تنفيذ المخطط القادم في جنوب لبنان.

هنا نطرح سؤالًا، على ماذا استندت الحكومة على أنهم الفئة الأفضل في مستوطنات الشمال ؟ الاستناد جاء في تقرير شبكة الجزيرة بعنوان "الصهيونية الدينية تملأ فراغ الفارين من المستوطنات الحدودية مع لبنان" بتاريخ 19 سبتمبر 2025م، في تناوله مستوطنة المطلة وهي أحد أهم مستوطنات الشمال والتي تتلقي ضربات قوية من المقاومة في حزب الله.

تحدث الصحفي محمد بدر في التقرير عن دور المتدينيين القوميين من أتباع الصهيونية الدينية في ملأ الفراغ في المستوطنة بسبب هجرة باقي المستوطنيين منها بسبب تطورات معركة طوفان الأقصى، والجدير بالذكر أن الصحفي ركز على النقطة التي نبحث عنها بقوله "يتم استبدال السكان وجلب جماعات محسوبة على تيار الصهيونية الدينية، الذي يروج لمشاريع الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان كجزء مما يسمى أرض إسرائيل".

سنلاحظ أن المخطط بالأصل كان يجهز له من قبل وذلك قبل معركة إيران وذلك من تاريخ التقرير في الشهور الأخيرة من عام 2025م، وأن حركات داخل الحكومة أبرزها "عوري هتسفون- من أجل الاستيطان في جنوب لبنان" تتحرك بقوة سياسيًا لشرعنة التحرك الجاد في المخطط.

في تقرير لصحيفة هارتس حول هذه المستوطنة بالتحديد، رصد المستوطنون القدامى دور المستوطنين الجدد من التيار الصهيوني المتشدد في حماية المستوطنة والحفاظ عليها بالرغم أن الضرر اللاحق بها وصل إلى 70% من منازلها، بل وحتى نسبة السكان فيها لا تتجاوز 900 فرد.

لكن وهنا النقطة التي سيكون التركيز عليها، أن المستوطنين الجدد لم يكن دورهم فقط في الحماية، لكن دور التغيير الديموغرافي، وهذا بشهادة المستوطنين القدامي، حيث أوضح بعض المستوطنين قلقهم بسبب دعوة مقيمة جديدة من الصهيونية الدينية النساء في المستوطنة إلى حضور درس توراة في منزلها، وأوضح في نفس السياق المسؤول عن المستوطنة دافيد أزولاي حول هذه التغيرات من الفئة الجديدة أنه من الطبيعي حدوث بعض القلق لأن المستوطنة كانت في الأساس علمانية وليست دينية صهيونية.

لذلك ترى إسرائيل هذه الفئة هي المختارة لعدة أسباب:

  • أنهم يقومون بالدور الدفاعي في حماية المستوطنة وهو دور مشترك لكل المستوطنين من كافة الطوائف لكنهم على درجة عالية في هذه النقطة.
  • لديهم حلم إسرائيل الكبرى ويسعون له.
  • على قدر كبير من المسئولية في التغيير المجتمعي وليس مجرد المكوث في المستوطنة.
  • متدينون ومؤمنون بالتوراة ويعملون على تدريسه وهو ما تفضله إسرائيل عن الفئة العلمانية التي تركز على المال والمستوى المعيشي فقط.

لنرجع إلى نقطة سابقة تحدثنا عنها وهي المسئولون عن المستوطنات وذكرنا من ضمنهم المؤسسات الصهيونية الدينية التيار الاستيطاني، حيث يتكون من مجلس يشع، ومنظمة أمناه وحركة نحالا، ومنظمة ريغافيم، ومنظمة حارس يهودا والسامرة.

وفق الدراسة الرسمية من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" و"معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس" في دراستهم المشتركة بعنوان "الاستيطان الإسرائيلي تكلفته الاقتصادية والاجتماعية وآثاره في الأراضي الفلسطينية المحتلة" لفريق البحث رجال الخالدي وأنمار رفيدي ومحمود الخفيف ووليد حباس وطارق صادق عن تاريخ 14 أكتوبر 2025" فإننا نوضح نبذة عن كل مجلس في هذا التيار وفق الدراسة.

مجلس يشع: يعرف باسم مجلس المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة وقطاع غزة، تأسس في 24 ديسمبر 1980م، يضم قادة المستوطنات الاسرائيلية ما عدا القدس، هدفه الأساسي هو تعزيز التوسع الاستيطاني وشرعنته في الداخل المحلي وعلى المستوى الدولي، وجلب التمويل لهذا المشروع، بل ويفوق دوره إلى معارضة القرارات الحكومية الإسرائيلية التي قد تشكل عائق أمام مشروع الاستيطان.

منظمة أمناه: تأسست عام 1979م، تتبع حركة الاستيطان غوش إيمونيم، هدفها الأساسي هو الاستيطان في الضفة وقطاع غزة والجولان والجليل والنقب، الأمين العام لها هو زئيف حيفر منذ عام 1989م، تقوم المنظمة بأعمال البناء من خلال شركة تتبعها تسمى بنياني بر أمناه، وتشجع على استقبال المستوطنين والتخطيط لمستوطنات جديدة، أعلنت في عام 2017م مشروعها لتوطين مليون يهودي في الضفة الغربية، تلقت عقوبات سابقة من وزارة الخارجية الكندية بسبب فكرها التوسعي في عام 2024م.

حركة نحالا: تأسست في عام 2005م، والمؤسسين هم الحاخام موشيه ليفنغر ودانييلا فايس، هي حركة منبثقة من حركة غوش إيمونيم، هدفها الأساسي هو توطين أرض إسرائيل الكاملة، لتحقيق هدفها تقوم بعمل حملات توعية وإقامة مستوطنات وكذلك المظاهرات العامة وتنظيم فعاليات لربط الجاليات اليهودية في الشتات بمشروع الاستيطان الذي تسعى له.

منظمة ريغافيم: جمعية يمينية إسرائيلية تأسست عام 2006م، دورها الأساسي هو تحديد جدول أعمال يهودي وصهيوني لدولة إسرائيل في جوانب الأرض والبيئة بهدف حماية أراضي الشعب اليهودي والموارد والمناظر الطبيعية، من بين أبرز المؤسسين هو المتطرف سموتريتش.

منظمة حارس يهودا والسامرة: تأسست في عام 2013م لتساعد المزارعين في الضفة الغربية من حيث تقديم أدوات الزراعة والحراسة الليلية وغيرها، حيث تعد المنظمة الراعية للاستيطان الرعوي، وتشرف على آلاف من الدونمات في الضفة.

سبب ذكر وتوضيح هذه المؤسسات هو أننا اتفقنا سابقًا أن إسرائيل ستعتمد رسميًا على المستوطنيين المتدينيين الصهاينة في عملهم، وهذه المؤسسات والمنظمات تتبع التيار الاستيطاني الديني، وسيكون لها الدور في المرحلة القادمة، لكن الحركات الرسمية التي أعلنت تحركها نحو هذا الأمر هي حركة "أوري تسافون -أنهض أيها الشمال" وحركة "عوري هتسفون- من أجل الاستيطان في جنوب لبنان" وهنا سنبدأ جولتنا الميدانية حول أهمية فكرة الاستيطان في جنوب لبنان لاسرائيل.

أهمية فكرة الاستيطان في جنوب لبنان لإسرائيل

سنأخد الآن جولة رسمية داخل مؤسسة أوري تسافون -أنهض أيها الشمال من خلال الموقع الإلكتروني الرسمي الخاص بهم لنعرف شكل المخطط وكيف يتناقشون حوله.

في البداية، في تقرير للحركة بتاريخ 17 أبريل 2024م بعنوان لماذا جنوب لبنان ؟، أوضحت أن الهدف الأساسي للاستيطان في لبنان لأنه على الجدول الأساسي للأعمال.

ونقلًا من نص التقرير المترجم للعربية " في الحرب اللبنانية الثالثة القادمة، سيتحرك الجيش الإسرائيلي في أراضي دولة لبنان، ومن المؤكد تقريبًا أنه سيسيطر على كامل الأراضي المعروفة اليوم باسم "جنوب لبنان"، ومن المرجح جدًا أيضًا أن تنشئ دولة إسرائيل منطقة أمنية هناك، وأن تكون هذه المنطقة بأكملها تحت سيطرتنا حتى في اليوم التالي للحرب، من منظور عسكري وأمني، هذا أيضًا هدف منطقي ومعقول جدًا، ونعتقد أن الطريقة لإقامة أمن إسرائيل في الشمال لأجيال هي من خلال الاتصال بأرضنا، وجنوب لبنان هو أرضنا، نحن واثقون أيضا، بناء على التجارب السابقة، أنه بدون وجود مستوطنات يهودية على الأرض، ستنسحب دولة إسرائيل في النهاية من أي منطقة أمنية تنشأ، وسيعود التهديد سبعة أضعاف، لأن من يهرب من أرض إسرائيل – أرض إسرائيل يطارده لذلك، جنوب لبنان هو القضية، لأنه قريبًا سيكون في أيدينا".

هنا لنا وقفات كثيرة من هذه التصريحات، حركة المستوطنين ترى أن جنوب لبنان هي أرضهم وجزء من إسرائيل الكبرى، لكن الأخطر هو إدراكهم أنهم لابد أن يكون لهم تواجد على هذه الأرض بعد الحرب لأنه في حال الانسحاب فسيزداد الخطر عليهم بسبعة أضعاف، فهم يدركون كل الأبعاد لشكل الاستيطان ومدى أهميته الكبيرة سواء على المستوى الأمني أو الاستراتيجي، وللعلم لو ركزنا في تاريخ التقرير سنلاحظ أنه يعود إلى 2024م أي قبل عامين، ويرون أن لبنان هي قضيتهم ويعملون عليها بجهد كبير.

طرحت الحركة سؤال هامًا آخر على متابعيها وهو "أين الحدود الشمالية ؟" تساؤل يوضح لك أنه في السنوات الأخيرة لم يكن هناك شكل واضح للحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان بالمقارنة بباقي الحدود، حيث وفق الحركة فهم يرون أن الحدود الشرقية واضحة وهي نهر الأردن، والغربية هي البحر، والجنوبية موجودة إلى حد ما، لكن الشمالية ! هنا علامات استفهام كثيرة،  حيث تستنكر الحركة أن السبب في ذلك هو بريطانيا وفرنسا في ترسيمهم للحدود في الشرق الأوسط، حيث تركوا الحدود الشمالية للكيان غير واضحة وغير مبالية للاعتبارات الأمنية.

لذلك توضح الحركة أن الكيان بالشكل الاستعماري الجديد لابد أن تكون حدوده الشمالية إلى نهر الليطاني.

نحو تنفيذ المخطط

كيف سيتم تنفيذ المخطط على أرض الواقع ؟ فالحديث السابق كله مجرد دعوات وتخطيط وتفاؤل فقط، لكن على أرض الواقع الوضع سيختلف، وهنا يأتي دور الحركة في التحرك الفعلي.

حيث نشرت مقالة بعنوان "شاهد الليطاني: الأمن من خلال خلق عمق وشراكة من أجل التغيير في الشمال" أوضحت فيه جملة التحرك الأول تجاه جنوب لبنان بقولها "اليوم أصبح واضحًا للجميع: الأمن لا يتحقق بالترسيخ بل بخلق العمق، معًا سنغير الحدود ونخلق واقعًا أفضل لدولة إسرائيل" وأرفقت رابط للتبرع وهنا تكمن الخطورة الأولى، حيث بدأت في جمع المال للتحرك على الأرض.

بعد تفحص رابط التبرع للوصول إلى هدف هذه الحملة بشكل دقيق، اتضح بالفعل الهدف الذي أشرنا له، حيث يتمثل في "تحويل جنوب لبنان من تهديد أمني إلى بلد مزدهر" وفق ما صرحوا به، وأكملوا أن السيطرة على جنوب لبنان ضرورية لأمن إسرائيل، ودعوا إلى الاستيطان اليهودي في هذه المنطقة والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من أرض إسرائيل التاريخية.

نشرت الحركة كذلك لتوضح رؤيتها للجميع ملف PDF يتحدث عن تفاصيل الخطة كلها وبالخرائط كذلك، ملف 23 صفحة كاملة تحتوي بيانات خطيرة حول النية الفعلية للتحرك.

 

بعد دراسة هذا الملف، سندرك بعض الملاحظات أبرزها أن الحركة تدرك جيدًا الطبيعية الجغرافية لجنوب لبنان، هم درسوا المنطقة قد تصل إلى معرفة تامة أكثر من أهلها نفسهم، خرائط جغرافية بالمواقع والمدن والترسيم وكل ذلك، ويعلنوه بشكل صريح، لا مواربة بعد اليوم، حركة الاستيطان هذه بدأت بالتحرك، وتاريخ نشر هذا الملف هو مارس 2026م أي في أعقاب الحرب الجارية، وهو ما لم يصرحوا به من قبل، هم الآن قرروا أنه الوقت المناسب، الآن يعني الآن.

وفي تقرير آخر نشرته الحركة على موقعها الرسمي بعنوان "هل ترى خيارات التبرع على الخريطة ؟ تبرع لحملة لبنان الآن" أوضحت فيه "أهدافنا ليست خيالا. إنها عودة إلى جذورها وأصولها!" ونشرت معها خريطة مرفقة كالتالي توضح فئات التبرع بالأموال، وستلاحظ شيئًا عجيبًا، أن الهدف ليس فقط حتى نهر الليطاني، حيث 138 شيكل هي قيمة تبرعك لوصول الاستيطان إلى جيمتريا لبنان، والتبرع بـ 360 شيكل هو قيمة تبرع حتى الليطاني و500 شيكل هو حتى نهر الزهراني، و700 شيكل هو حتى نهر الأولى، و100 شيكل حتى جبال الشوف.

الخطة لن تقف عند الليطاني والنية واضحة ومصرح بها، والأمر لم يقف عند ذلك، حيث أشادت بتصريح المتطرف سموتريتش حول ضرورة الوصول إلى نهر الليطاني، وعلقت بقولها أنها سعيدة بهذا التصريح حتى نستطيع استخدام هذا المورد بأكثر الطرق كفاءة.

فالوضع لن يقف عند حدود النهر، بل بالتخطيط للاستفادة منه على أفضل وجه، وهنا نقطة خطيرة، أن المنطقة بين لبنان وإسرائيل لن تكون أبدًا منطقة عازلة، بل أرض إسرائيلية خالصة.

بالنظر والتدقيق في الموقع سنجد أن أكثر الأشهر نشاطًا بالتصريحات هو شهر نوفمبر 2025م وشهر مارس 2026م، حيث تساويا بعدد 40 تقرير لكل شهر.

بتصفح شهر مارس 2026م، نجد تقرير بعنوان "بين الليطاني والزهراني: لماذا يحظر تحديد حدود على نهر واحد فقط في لبنان؟" حيث يطرح تساؤل بسيط داخل المتن بالقول "لماذا لا نركز على الليطاني؟ ما هي الأنهار الأخرى التي يمكننا الحديث عنها في لبنان؟" تساؤل يجعلنا ندرك أن المشكلة الأساسية ليست مشكلة حدود بل تغيير جغرافي للمنطقة، هم لا يفكرون فقط في حدود الليطاني بل فيما هو أبعد من ذلك بكثير.

الأمر لا يقف عند ذلك، تقرير آخر بعنوان "حمل كتيب لبنان: التاريخ والمواقع وتحليل الحروب" حيث يوضح التقرير أن الكتيب المتاح الآن حول لبنان يوجد فيه التاريخ اليهودي القديم من حيث الجغرافيا، وتحليل الحروب على مر السنين، والمواقع اليهودية، تحت عنوان حان الوقت للتعرف على لبناننا.

وفي خضام الحرب الحالية بين حزب الله وإسرائيل ضمن الحرب الإيرانية، نشرت الحركة بتاريخ 23 مارس 2026م تقرير بعنوان "نورثرن سكينز: لماذا أشعل اتفاق وقف إطلاق النار حريقًا في الشمال ؟" توضح فيه الحركة قائلة "الشمال الآن تحت نيران كثيفة – وهذا نتيجة مباشرة لاتفاق "وقف إطلاق النار" قبل 15 شهرًا!

يمكننا الاختيار بين توسيع حدود البلاد وأمنها والعار والجولات التي لا تنتهي.

ما المشكلة أصلا؟! لقد تم طردنا بالفعل، كل ما علينا فعله هو الغزو والاستقرار!"

نصل إلى استنتاجات خطيرة في تحقيقنا، إنهم بالفعل خططوا، ودرسوا المنطقة بشكل ممتاز، وأظهروا النية أن الوضع لن يقف عند حدود الليطاني فقط، وبدأوا في جمع التبرعات، وبدأوا بنشر كتب حول أحقيتهم للأرض وفق التاريخ اليهودي، وكذلك بدأت العملية العسكرية ضد حزب الله، والضغط على الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا المخطط، إن الحديث الآن غير ذلك قبل، إن الوضع الآن على أرض الواقع وليس على الورق.

هل تنجح خطتهم؟

نقف هنا أمام تساؤل هام، في حال نجحت إسرائيل في الاتفاق على المنطقة العازلة حتى نهر الليطاني هل تنجح فكرة الاستيطان الديني في هذه المنطقة؟ ولو نجحت فهل تتمسك بها إسرائيل مثلما تتمسك بهضبة الجولان في سوريا؟، يجيب عن ذلك الباحث الأول في مؤسسة القدس الدولية، والمتخصص في شؤون القدس والأقصى وعضو منتدى الأكادميين الدولي لقضايا القدس على إبراهيم في تصريح حصري قائلًا:

تُشير المعطيات الحالية إلى سعي حثيث من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إنجاز المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، وهي مساحة واسعة جدًا، وتشكل ما نسبته 10% من مساحة لبنان، وبحسب المصادر العبرية، هناك معطيات بأن هذه المنطقة ستتجاوز في بعض المناطق حدود الليطاني بناءً على معطيات أمنية لدى جيش الاحتلال، ولا شك بأن فكرة الاستيطان في الجنوب من عدمه، جزء من نقاشٍ أعمق ما بين جزء من المجتمع في الكيان والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حيث تبحث المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن "الأمن" في الجغرافيا التي تسعى للسيطرة عليها، في سياق تحييد قدرة حزب الله على استهداف المواقع الإسرائيلية والمستوطنات من هذا الشريط الجغرافي، في المقابل يرى التيار الديني القومي والمتمثل بـ"الصهيونيّة الدينيّة"، هذه المنطقة مساحة مهمة لإعادة استيطان هذه المنطقة، وهي نظرة تناقض الأولى تمامًا، وتعيد المستوطنين إلى مساحة يُمكن وصفها بأنها أقرب إلى الخطر، وفي سياق نقاش هذه القضية، يُمكن تفكيك هذا السيناريو من خلال مسارين، إمكانية نجاح الاستيطان، وفرص التمسك بالمنطقة على غرار الجولان.

أولاً، تضم أدبيات "الصهيونية الدينية" (وبالمناسبة هو التيار الذي يشكل الحاضنة الفكرية الداعمة لمنظمات المعبد التي تستهدف المقدسات)، اهتمامًا كبيرًا بأجزاء من جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني، وتنظر إليها على أنها جزء من "أرض إسرائيل الكبرى".

لذلك، ومع بداية التوغل البري في الجنوب اللبناني، بدأ هذا التيار في الترويج للاستيطان في الجنوب اللبناني، وتُشير تقارير إعلامية، بأن أعدادًا من عائلات المستوطنين الذين يتبعون هذا التيار، بدأت بالانتقال إلى المستوطنات الحدوديّة، على غرار مستوطنة المطلة، في سياق إعادة الحضور الاستيطاني فيها، بعد انتقال أعداد من المستوطنين في ظل الحرب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وهو ما يُشير إلى سعي مباشر إلى الاقتراب أكثر من هذه الأراضي.

وأمام الواقع الميداني، وتطورات الحرب الحالية، فإن فكرة الاستيطان الديني في جنوب لبنان مصيرها الفشل الحتمي لسببين رئيسيين، الأول الواقع الديموغرافيّ، أما الثاني فتاريخ المقاومة في المنطقة. فمن حيث الاستقراء الواقعي، يحتاج الاستيطان إلى بيئة مستقرة، ما يستوجب فرض السيطرة على هذه المناطق بشكلٍ كامل، وتحييد العناصر البشرية التي يُمكن أن تستهدف المستوطنين والمستوطنات، وهو قامت به أذرع الاحتلال في الضفة الغربية والقدس المحتلتين من احتلالهما عام 67. بينما تُشير المعطيات إلى حضور بشريّ كثيف من اللبنانيين في جنوب لبنان، ومع نزوح أعداد كبيرة من هؤلاء، إلا أن طبيعة المنطقة والاتصال الجغرافي، والحضور العسكري لحزب الله، وتجذر عميق للمجتمع اللبناني في أرضه، وهو ما يُمكن تسميته بالبيئة الحاضنة للمقاومة، تفتح المجال أمام انطلاق حرب العصابات، التي ستستنزف المستوطنين والمؤسسة الأمنية على حدٍ سواء.

وعلى المقلب الآخر، لن يجد المستوطن الراديكالي، التسهيلات اللازمة، والبنية التحتية الآمنة التي توفرت له في مناطق أخرى، خاصة بما يرتبط بالنقطة السابقة، أن المجتمع الفلسطيني أصبح شبه أعزل مع تراكم الاستهداف الأمني في الضفة الغربية والقدس، بينما المجتمع في لبنان مسلّح، إلى جانب ما أوردناه عن طبيعة العلاقة العضوية مع البيئة العامة اللبنانية، وهو ما يعني أن المستوطنين سيجدون أنفسهم في خطوط مواجهة يومية ومستمرّة.

ثانياً: حول تحول جنوب الليطاني إلى "جولان" آخر

المقارنة مع هضبة الجولان السورية مهمة، ولكنها كذلك تُظهر اختلافات جوهريّة، تمنع تكرار السيناريو نفسه، ويُمكن التركيز على عددٍ من الجوانب في النقاط الآتية:

-      الطبيعة الديموغرافية بعد الاحتلال: عندما احتلت "إسرائيل" الجولان عام 1967، تم تهجير الغالبية الساحقة من سكانه، ولم يبقَ سوى قرى قليلة، وقد سمح هذا الفراغ الديموغرافي للاستيطان بالتمدد، وهو ما فتح المجال أمام الاحتلال إلى المضي قدمًا في استيطان هذه المناطق، وتهويدها، إلى جانب ما لها من أهمية استراتيجية ومائية كبرى.

-      الاستنزاف العسكري (عقدة لبنان): على العكس من الجولان، لبنان شكل دائمًا "مستنقعًا" عسكريًا لجيش الكيان، وقد خاض الاحتلال تجارب عسكرية طويلة منذ السبعينات، مرورًا بالاجتياح عام  1982، وما بعدها من تجارب متصلة بالحزام الأمني وإنشاء ميليشيات عميلة على غرار مليشيات سعد حداد وأنطوان لحد، ومن ثم التحرير عام 2000، وحرب تموز 2006، وما تلاها كذلك حتى اليوم، أثبتت أن التمسك بالأرض اللبنانية ثابت لدى كل الفاعلين في المنطقة، وهو ما يعني أن قوات الاحتلال ستواجه نزيفًا مستمرًا، وستدفع أثمان بشرية وعسكرية كبيرة، وعلى الرغم من حالة الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر عام 2023، إلا أن الاستيطان طويل الأمد تكاليفه مختلفة، ومناخه مختلف كذلك، ومن المهم الإشارة إلى أن الانسحاب من الجنوب في عام 2000، أثبت حينها ً بأن الجغرافيا اللبنانية غير قابلة للهضم.

الخلاصة: حتى لو نجحت الآلة العسكرية الإسرائيلية في فرض "منطقة عازلة" أمنية مجردة من السلاح، فإن تحويلها إلى "منطقة استيطان ديني" سيعني تحويل الجيش الإسرائيلي إلى حارس دائم للمستوطنين. محاولات الاحتلال المناورة والبقاء في الجنوب اللبناني لفترة من الزمن، يُمكن أن تنجح، في سياق معطيات تفصيلية ميدانية وعسكرية وغيرها، لكنها لن تستطيع أن تحولها إلى استيطانٍ دائم على غرار الجولان، لأن التكلفة المفترضة ستكون كبيرة جدًا، وعلى كل حال ما زالت العمليات العسكرية في بدايتها في تلك المنطقة خلال هذه المرحلة على أقل تقدير.

وفي تصريح الدكتورة سجود عوايص – أكاديمية وباحثة فلسطينية مقيمة في ماليزيا، حاصلة على درجة الدكتوراه في علوم الإتصال، لها العديد من الأبحاث المحكمة والمؤلفات المنشورة منها "أثر قيام دولة فلسطينية على مستقبل اللاجئيين 2018م" و"الإعلام المرئي الفلسطيني والحركة الأسيرة في ضوء القانون الدولي الإنساني 2023" حول سؤال هل نموذج المستوطنات هو شكل استعماري ناجح أم يمثل تكلفة باهظة على المحتل بالمقارنة بالشكل التقليدي للاستعمار ؟ ردت قائلة:

من وجهة نظري هو نموذج ناجح ويزداد نجاحا، نتيجة لأنه يحقق هدفي إحلال السكان والسيطرة، وخلق واقع جغرافي وديموغرافي كلما طال الزمن، أصبح من الصعب التراجع عنه.

ناهيك من أن الجماعات الاستيطانية التي تقوم عليه، تحمل عن دولة الاحتلال عبء التهجير العسكري، بقيامها باستيطان بيئي ورعوي وزراعي، وهجمات منسقة على الفلسطينيين، ما أنتج تفكيك لأكثر من ٣٣ تجمعا سكانيا فلسطينيا، بعض الأرقام تقدر مجموع ساكنيها،  ٣٦ ألف فلسطيني، معظم هذه التجمعات في مناطق C.

بينما الشكل التقليدي يستنزف جهد عسكري دائم، بشري ومادي وحتى معنوي، لأنه سيظل دائما يربط أمنه بسياسة جز العشب، يعني هجمات مستمرة على الفلسطينيين.

فائدة أخرى للاستيطان، من واقع الأرض، خلال ٢٠٢١-٢٠٢٣ ظهر نفس مقاوم في مدينتي  جنين ونابلس، وكان التنسيق بينهم عال، لدرجة انه في بعض الأحيان كان يتم إسناد المقاومين بإخوانهم في المدينة الثانية، تنبه الاحتلال إلى أن هناك جغرافيا متصلة بين جنين ونابلس، المستوطنة الوحيدة اللي كانت موجودة في حومش، وتم تفكيكها في ٢٠٠٥، فلجأ الاحتلال الى توسيع مستوطنة شافي شمرون لتصل الى الطريق العام، وإعادة مستوطنة حومش، مع عدة مئات من البؤر الاستيطانية، التي ستتطور لاحقا لتخنق الفلسطينيين.

وفي سؤال هل فكرة الاحتلال من خلال المستوطنات بديل ممتاز لإسرائيل عن الإحتلال العسكري في لبنان ؟ أوضحت قائلة في تصريح حصري:

طالما الوضع الامني لم يستقر لصالح إسرائيل،  وعدد الهجمات لم ينزل الى مستوى صفر، لا اتوقع تأسيس مستوطنات في لبنان، وأي مستوطنة ستكون دعاية انتخابية أو دينية فقط.

فعليا عدد المستوطنات أو توزيعها لا يرتبط بحياة سكنية ومعيشية مستقرة، معظم بؤر الضفة الاستيطانية عبارة عن بيت متنقل وخزان مياه، وكل فترة يتم إضافة المزيد لها، لأن معظم الاعمال والنشاط التجاري والاقتصادي في المركز، الآن تجري عملية إعادة توزيع لجذب المستوطنين إلى الضفة، لكن عادة المستوطن الاوروبي يفضل يافا وتل أبيب ورامات غان، والمتدينون يفضلون القدس والخليل، والجماعات الاستيطانية تتوسع بأكثر من قدرتها في الضفة لفرض أمر واقع وترسيخ حالة.

وتضيف الصحفية اللبنانية الصاعدة والمتخصصة في الشأن اللبناني في نداء الوطن وبالعربي والحقيقة سيدة نعمة في إجابتها عن سؤال هل الظروف الحالية هي الظروف المناسبة لاسرائيل للاستيطان الفعلي في جنوب لبنان في الخط العازل حتى نهر الليطاني ؟ قائلة:

فيما يتعلق بمدى ملاءمة الظروف الحالية للاستيطان في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني:

لا أعتقد أن الظروف الحالية مناسبة لاستيطان فعلي ومستدام. بغض النظر عن المواقف السياسية، هناك واقع ميداني لا يمكن تجاهله، وهو وجود حزب الله كقوة عسكرية فاعلة على الأرض، ما يعني أن أي محاولة استيطان ستواجه بمقاومة مباشرة.

مع العلم أن التطورات الأخيرة، ومنها انسحاب الجيش اللبناني من بعض المناطق الحدودية، زادت من تعقيد المشهد وأثارت مخاوف داخلية لدى اللبنانيين، خصوصًا في ظل صغر مساحة لبنان وحساسية أي تغيير جغرافي فيه.

وتجيب على سؤال هل تنجح فكرة الاستيطان في جنوب لبنان كما نجحت في شكلها في الضفة رغم المشاكل ؟ قائلة:

أما بشأن إمكانية نجاح تجربة الاستيطان في جنوب لبنان على غرار الضفة الغربية:

المقارنة مع الضفة الغربية ليست دقيقة بالكامل. في الضفة، جاء الاستيطان في سياق مختلف منذ حرب 1967، مع واقع احتلال مباشر وسيطرة ميدانية.

في المقابل، جنوب لبنان يحمل خصوصية مختلفة تمامًا، سواء من حيث البيئة الأمنية أو الرفض الشعبي. حتى لو تم الترويج لفكرة “منطقة عازلة”، فإن الواقع يشير إلى وجود نحو 650 ألف لبناني نزحوا من هذه المناطق، ما يطرح تساؤلات جدية حول مصيرهم وإمكانية عودتهم.

بالتالي، نجاح هذا النموذج يبدو صعبًا في الظروف الحالية.

وتختم تصريحها حول إجابة سؤال: في حال نجحت الفكرة، هل تستغل اسرائيل ذلك لتكون الأرض الفاصلة حتى الليطاني هي أرض إسرائيلية ؟ قائلة:

فيما يخص فرضية تحويل المنطقة حتى الليطاني إلى أرض إسرائيلية:

أرى أن هذه المسألة معقدة جدًا. نحن لا نتحدث فقط عن إجراء أمني، بل عن تغيير في جغرافيا البلد ومساحته، خاصة أن المسافة بين الحدود اللبنانية ونهر الليطاني تُقدّر بحوالي 6 إلى 8 كيلومترات وبأماكن أخرى أكثر بكثير.

أي خطوة من هذا النوع تعني عمليًا إعادة رسم للحدود، وهو أمر له تداعيات سياسية وقانونية كبيرة على المستوى الدولي، وليس مجرد قرار يمكن فرضه بسهولة.

زاوية إضافية مهمة من وجهة النظر اللبنانية:

هناك قلق حقيقي لدى اللبنانيين من فكرة تحول بعض من قرى الجنوب إلى منطقة عازلة، خصوصًا في ظل التصعيد الحالي. هذا القلق لا يرتبط فقط بالسياسة، بل أيضًا بالخوف من خسارة جزء من الأرض وتغيير الواقع الديموغرافي، وهو ما يجعل أي طرح للاستيطان أو المناطق العازلة مسألة شديدة الحساسية في الداخل اللبناني.

نختم بتصريح إبراهيم قرط – باحث في الشؤون الإسرائيلية وكاتب فلسطيني في عدة مؤسسات مثل العربي الجديد ومؤسسة الدراسات الفلسطينية في إجابته عن سؤال فكرة الاستيطان في جنوب لبنان، هل فكرة حقيقية يمكن تطبيقها في أرض الواقع أم خيالية ؟ بقوله:

حتى اللحظة أرى أن الحكومة الإسرائيلية لم تعطي تصريح رسمي بعمل مستوطنات أو بؤر استيطانية في جنوب لبنان، ويعتبر الاستيطان في جنوب لبنان مازال أمر نظري، كان في السابق المستوطنين بعد 1982م عندهم تصورات حول الاستيطان في لبنان بناء على أفكار دينية وأنها جزء من أرض إسرائيل التوراتية لكن لم يكن هناك إمكانية لتطبيقها، والنقاش كان مطروح في اليمين الإسرائيلي المتشدد، والحركات الحالية التي دخلت إلى الحدود مع لبنان لزرع البذور هي على الحدود القريبة وليس بالداخل، وأن المقارنة مع شكل المستوطنات في الضفة الغربية معقد، وأن بناءها لم يأتي في يوم وليلة، وأن شرعنة المستوطنات في لبنان صعب في اللحظة الحالية، وليس بالسهل في السياق القانوني والسياسي، وأن الوضع الحالي هو حول إنشاء منطقة عازلة، وأن فكرة المستوطنات كانت في البداية لتكون خط الدفاع الأمامي عن إسرائيل لكن بعد 7 أكتوبر أثبتت فشلها، وأن المستوطنات الدفاعية في الشمال تعتبر عبء أمني حالي على إسرائيل لأنها تحولت إلى أهداف للقصف.

في النهاية إن التطورات على الأرض هي الحاسمة بشأن ذلك، والمقاومة اللبنانية تقف أمام هذا المخطط بكل الطرق لأن الاستيطان الديني إن وصل إلى جنوب لبنان فسيكون هدفه القادم هو احتلال كل البلاد شبرًا شبرًا.

شبابيك

شبابيك

منصة إعلامية تخاطب الشباب المصري