طومان باي وسليم الأول.. اللقاء الأخير قبل الشنق على أعتاب باب زويلة

بعد هزيمة المماليك أمام العثمانيين في موقعة الريدانية عام 1517، هرب السلطان المملوكي طومان باي، لكن وشاية بعض المماليك أوقعته في قبضة جنود السلطان العثماني سليم الأول الذي أمر بشنقه، لكن سبق ذلك حوار جمعهما.

في كتابه «طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر» استعرض الدكتور عبد المنعم ماجد تفاصيل هذا الحوار، وكذلك اللحظات الأخيرة في حياة السلطان المملوكي.

عتاب السلطان

حينما وصلت سليم الأول البشرى بالقبض على طومان باي، وأنه في الطريق إليه، أبدى السلطان العثماني ارتياحه العظيم، وقال «الآن ملكنا مصر»، وأمر بالزينة في القاهرة والفسطاط، وجعل الطبول تدق في أرجائها، فزّين الناس مضطرين جميع البيوت والدكاكين رغم عدم علمهم سبب ذلك، وسرعان ما علمت بعد ذلك، وهي لا تكاد تصدق أن طومان باي قد أمسكوه.

ولما وصل طومان باي أمام سليم، استقبله وقد أحاط به بعض المماليك ممن والوا العثمانيين مثل خاير بك وجان بردي الغزالي وحسن بن مرعي والوزير يونس باشا، وقد وقفت العساكرالعثمانية على حسب مراتبها، وأسلحتها من البنادق في أيديها.

سلّم طومان باي سلام الملوك، فرد عليه سليم كما يجب، واستمر طومان باي واقفاً إلى أن أمره سليم بالجلوس، فجلس. فنظر إليه سليم وتأمله. وجد فيه – كما يقول المؤرخ ابن زنبل – كل شيء يشهد بالشجاعة والفروسية وكمال العقل، فقال له معاتباً بشدة: يا طومان باي، كم نهيناك عن القتال، وسفك دماء المسلمين وإني أرسلت لك من الشام أن تجعل السَكة (أي سك النقود) والخطبة باسمي، وأنت مقيم على مصر، فأبيت ذلك، وقتلت رسلي، والرسول لا يُقتل، بل قتلت قضاة بلادك، ولم تقبل الصلح.

وقال له سليم، أنه واجب الطاعة لأنه سلطان ابن سلطان، بينما طومان باي من المماليك، الذين لا يعرفون حتى آبائهم، وربما كانوا من أولاد النصارى.

دحض الاتهامات

لم يصمت طومان باي إزاء ما قاله سليم، فرد عليه وهو في الأسر على أساس أنه سلطان مصر، ومعتزاً بالمثل العليا، فلم يتخاذل أو يطلب الرحمة، فقال: بأنه لم يكن شيء مما جرى من قتل الرسل أو القضاة قد مر بخاطره، ولا بأمره أبداً ولا برأيه، وعلى العكس، أنه لما أرسل إليه من الشام الرسل أكرمهم، ولكن الأمراء هم الذين عملوا على قتلهم.

ثم استطرد يقول: إن دولتكم هي التي أقبلت، ودولتي أدبرت، وهذا شيء كتبه الله تعالى، وإني ما أخذت السلطنة برغبة مني، وإنما قومي وعسكري اختاروني، ورغبوا في أن أكون أنا السلطان عليهم، لما علموا من زهدي في ذلك، فلما تقلدت عليهم وجب علي أن أرد عنهم.

ثم أشار إلى سليم وذكر أنه مثله قد تربت نفسه على العز، ولا تقبل الذل.. وقال: وهل لو أرسلت لك أنا وأمرتك أن تكون تحت إمرتي، هل كنت ترضى بذلك، وهل سمعت ان الأسد يخضغ للذئب، لا انتم أفرس منا، ولا أشجع منا، ولكن أنت كنت تستحل قتل المسلمين وترمي عليهم بهذه المدافع والنيران، فكيف بك إذا وقفت بين يدي رب العالمين، ما من ملك وإن تعاظم ملكه إلا هو لله عبد أصغر، فما أنا وأنت إلا بجملة العبيد.

سليم الاول

شنق السلطان

ولا شك أن سليماً قد قرر قتل طومان باي منذ أسره له، وإن استبقاه نحو أسبوع – وربما 17 يوماً – تشفياً فيه، فحب سليم لسفك الدماء كان كبيراً ولا يتوقف عن قتل أحد.

ومع ذلك، قيل إن سليماً لم يكن يقصد قتله وينوي أن يطلقه، أو يأخذه معه إلى بلاده، أو حتى يرسله إلى مكة، ولكنه لما سمع أن الناس لا تصدق بمسكه، حنق من ذلك وتحت نصيحة أمراء المماليك أنفسهم الذين انحازوا إليه مثل خاير بك وجان بردي الغزالي فإنه قرر قتله.

وفي يوم شنق طومان في 15 سبتمبر 1517 أتوا له ببغلة، وأخرجوه عليها، وأنزلوه على مركب، وعبروا به النيل إلى بولاق، فلما وصلوا به إلى باب زويلة – أحد أبواب القاهرة المشهورة وأهمها – وجدوا حبل الشنق معداً له، فأسرعوا به وأنزلوه عن البغلة، بقصد شنقه من غير مهلة.

تقدم طومان باي نحو الحبال بقلب جسور، وحوله جنود العثمانية مسلولة السيوف، فطلب طومان باي من الناس قراءة الفاتحة له ثلاث مرات، فقرأت الناس معه، ثم قال للجلاد: اعمل شغلك. فقُطع الحبل به مرتين وفي كل مرة يعلقوه من جديد، وشنق إلى أن مات.

بقي طومان باي بعد شنقه معلقاً ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أنزلوه لما فاحت رائحة جسده، ووضعوه في تابوت، وغسّله القاضي وكفّنه من ثياب أرسلها سليم ثم صُلى عليه ودفن في فسقية قبة السلطان الغوري، ثم أرسل سليم ثلاثة أكياس من الفضة تصدقوا بها على طومان.

المصدر

  • كتاب «طومان باي آخر سلاطين المماليك في مصر». الدكتور عبد المنعم ماجد.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا