الحملة الفرنسية على الجزائر


قصة الاحتلال الفرنسي للجزائر

تعرضت الجزائر للاستعمار الفرنسي فترة طويلة من الزمن، من 1830 حتى 1962، وخلال كل هذه السنوات ارتكبت فرنسا العديد من الجرائم في حق الشعب الجزائري، لذلك قصة الاحتلال الفرنسي للجزائر مليئة بالكثير من الأحداث والتفاصيل التي نحاول إيضاح بعضها فيما يلي. 

أسباب احتلال فرنسا للجزائر

يعود مشروع احتلال فرنسا للجزائر إلى عهد نابليون بونابرت، حيث توترت العلاقة بين البلدين في عهد نابليون الذي كان يحلم بجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة فرنسية، لذلك كان يخطط لحملة كبيرة ضد دول المغرب العربي الأربع وإقامة مستعمرات عسكرية فرنسية هناك.

كانت فرنسا تخطط في الواقع لاحتلال الجزائر منذ 1792، أي بعد استبعاد إسبانيا وتصفية قاعدتها العسكرية في وهران والمرسى الكبير، حيث طمع حكام وقادة فرنسا في أن تحل فرنسا محل إسبانيا في شمال إفريقيا، بهدف السيطرة ثرواتها الطبيعية واستغلال موقعها المميز في النواحي العسكرية.

إلا أن الحملة الفرنسية على الجزائر لم تتحرك بشكل فعلي إلا في يوليو 1830، ويمكن تقسيم أسباب الاحتلال الفرنسي للجزائر إلى أسباب مباشرة وغير مباشرة، على النحو التالي:

  • حادثة المروحة (الأسباب المباشرة)

في 30 أبريل 1827 حضر قنصل فرنسا "دوفال" إلى ديوان باشا الجزائر "الداي حسين" لتقديم المباركة له بمناسبة العيد، إلا أنه استغل الفرصة ليطلب منه وضع السفينة الرمانية المحتجزة حديثا تحت حماية فرنسا، ما أثار غضب الباشا لأن فرنسا تتدخل في قضية لا تهمها في الوقت الذي لم ترد فيه على رسائله التي تطالبها بأشياء مهمة.

رد دوفال على باشا الجزائر بطريقة غير لائقة، قائلًا له: "لا يمكن لسيدي النزول من عليائه إلى درجة الرد على رجل مثلك"، الأمر الذي أثار غضب الداي حسين لدرجة دفعته إلى ضرب القنصل بالمروحة وأمره بالخروج من مجلسه وألا يريه وجهه ثانية، فغادر إلى فرنسا بالفعل.

أشارت مصادر أخرى إلى أن ضرب الداي حسين للقنصل بالمروحة كان ناتجًا عن محادثات عنيفة دارت بينهما حول العلاقات الجزائرية الفرنسية، أشار خلالها الداي إلى أنه لم يتلق ردًا من الحكومة الفرنسية في موضوع الدين بعدما زودتها شركة بكري بوشناق بالحبوب.

أكد الداي حسين في رسائله للسلطان سليم الثالث أن قنصل فرنسا رد عليه بكلام فيه إساءة للدين الإسلامي وشخصية السلطان، في حين أن بيار ديفال (قنصل فرنسا) حول الحادثة إلى قضية تمس شرف فرنسا.

اتخذت فرنسا هذه الحادثة ذريعة لتبرير احتلالها للجزائر، إلا أنه في الواقع هناك أسباب أخرى غير مباشرة للاستعمار الفرنسي للجزائر، وهى:

  • أسباب سياسية

تتمثل الأسباب السياسية الأساسية التي دفعت فرنسا إلى احتلال الجزائر في بداية انهيار الحكومة الإمبراطورية العثمانية التابعة لها الحكومة الجزائرية، لذلك بدأت الدول الأوروبية تستعد للاستيلاء على الأراضي التابعة لها، خاصة أن فرنسا كانت تعتقد أنها ستحصل على مبالغ طائلة موجودة في خزينة الداي تُقدر بـ150 مليون فرنك.

رغبة ملك فرنسا "شارل العاشر" في خلق تعاون مع روسيا في حوض البحر الأبيض المتوسط حتى يتغلب على الهيمنة البريطانية في البحر المتوسط، عن طريق التمركز في ميناء الجزائر الذي كان يرى أنه تابعًا للأمبراطورية العثمانية التي أوشكت على  الانهيار، جاءت ضمن الأسباب التي دفعته إلى احتلال فرنسا.

الخلاف السياسي الذي نشب بين شارل العاشر والمعارضة "التيبراليين" هدد عرش ملك فرنسا، لذلك لجأ إلى حل مجلس النواب الذي كانت تسيطر عليه المعارضة ونظم انتخابات جديدة، واتخذ شارل من الحملة العسكرية ضد الجزائر وسيلة لحل مشاكله الداخلية، لأن انتصاره على داي الجزائر سيُسكت المعارضة ويوجه الرأي العام الفرنسي نحو قضية الجزائر.

  • الأسباب العسكرية

هزيمة الجيش الفرنسي في أوروبا وفشله في احتلال مصر وانسحابه منها بعد ضربات القوات الانجليزية في 1801، كل ذلك دفع نابليون إلى أن يطلب من الفرنسيين الذين كانوا أسرى في الجزائر أو الذين عاشوا فيها معلومات عنها وعن سكانها وتحصيناتها، لكي يضع خطة عسكرية تمكنه من إقامة محميات فرنسية في شمال أفريقيا تمتد من المغرب الأقصى إلى مصر.

 في عام 1809 سلم الضابط العسكري "بوتان" نابليون مخطط عسكري لاحتلال الجزائر عن طريق البر ثم التوسع لاحتلال بقية أراضيها، أوصى نابليون قنصل فرنسي سابق يدعى "جون بون سان" بضرب الجزائر ضربة قوية وسريعة وإنهاء الحرب في ثمانية أيام، إلا أن نابليون تخلى عن مشروع الحملة لانشغاله بمناطق أخرى.

  • الأسباب الاقتصادية

كانت الأسباب الاقتصادية عاملًا أساسيًا لاحتلال فرنسا للجزائر، لأن فرنسا كانت تطمع في الاستيلاء على الثروات الطبيعية في الجزائر من أراضي خصبة ومناجم غنية بالحديد والرصاص، وكل ذلك سيعود عليها بفوائد أنفع لها من كل عمليات الغزو الاقتصادي التي قامت بها.

تأتي مسألة الديون ضمن الأسباب الاقتصادية للاحتلال الفرنسي للجزائر أيضًا، حيث يبلغ عمر الخلاف بين فرنسا والجزائر حولها أكثر من 30 عام، عندما أقرض الباشا حسان حكومة الإدارة الفرنسية 14 مليون فرنك، وتكفل التاجرين اليهوديين (بكري، بوشناق)، ممثلي المصالح التجارية في فرنسا، بتمويل المقاطعات الفرنسية الجنوبية والجيش الفرنسي بين 1773 إلى 1798، إلا أن تدخلهما في العلاقات بين البلدين كان له دورًا في توترها حتى انتهت بالاحتلال.

  • الأسباب الدينية

الجانب الديني لعب دورًا كبيرًا في احتلال فرنسا للجزائر، حيث رغبة فرنسا في نشر المسيحية في أفريقيا بداية من الجزائر، كما أدعت أنها تسعى إلى إنقاذ المسيحية من والمسيحيين من أيدي القراصنة الجزائريين.

وجود صراع مستمر بين الدول المسيحية الأوروبية والدولة العثمانية انعكس على الجزائر أيضًا، لأنها تنتمي إلى هذه الدولة وتتواجد في منطقة البحر المتوسط ولها دور في حماية العالم الإسلامي من الأخطار المسيحية في هذه المنطقة.

  • الظروف الدولية المواتية

وجدت فرنسا أن الأوضاع الدولية مناسبة لاحتلال الجزائر، خاصة بعد هزيمة الأسطول التركي بالقرب من الميناء الأغريقي نافاران أثناء حرب استقلال اليونان 20 أكتوبر 1827، موافقة القيصر نيكولا الأول للحملة ضد الجزائر، لأنها تساعد في إضعاف السلطة العثمانية وبالتالي تؤمن حرية الملاحة في البحر الأبيض المتوسط.

دول شمال أوروبا لم تعارض الحملة الفرنسية على الجزائر، بالإضافة إلى أن ملك نابولي وافق على إبحار سفنه لخدمة الجيوش الفرنسية في بلده، فضلا عن حياد باي تونس تجاه الخلاف الجزائري الفرنسي منذ عام 1828، لأنه كان يريد في الواقع توسيع أراضيه ويرغب في وضع أخيه كداي على الجزائر.

جرائم الاحتلال الفرنسي للجزائر

لا يزال يتذكر الجزائريون جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية، رغم مرور أكثر من 65 سنة على اندلاع ثورتهم ضد الحكم الاستعماري الفرنسي.

حكم الاستعمار الفرنسي الجزائر لمدة 132 سنة، من يوليو 1830 إلى يوليو 1962، عندما أعلنت البلاد استقلالها عن الحكم الاستعماري، خلال الكفاح من أجل الاستقلال استشهد أكثر من 1.5 مليون جزائري فيما أصيب مئات الآلاف أو فُقدوا أو أجبروا على ترك منازلهم، ونلخص جرائم الاحتلال الفرنسي تجاه الجزائريين على مدار كل هذه السنوات، في النقاط التالية:

  • حرصت فرنسا على محو الهوية الجزائرية وشنت حربًا على المدارس الدينية والمساجد، فمثلًا دمرت جامع كتشاوة وجامع السيدة وغيرهما الكثير.
  • عمل الاحتلال الفرنسي على تغيير العمارة الإسلامية الجزائرية وحول بعض المساجد إلى كنائس لصالح الكاثوليكية، وفي عام 1836 فتح أول مدرسة تبشيرية كاثوليكية في الجزائر.
  • سنت باريس قوانيين تمييزية ضد الجزائريين، في خطوة سمحت للمستعمرين باغتصاب أراضيهم وطمس هويتهم.
  • في 1880 - 1881 أخذت فرنسا جماجم 37 من مقاتلي المقاومة، وهى مخزنة حتى الآن في متحف البشرية في باريس.
  • ارتكب الفرنسيون مجزرة بشعة في حق سكان البليدة في 1830، لم ينج فيها رجال ولا نساء ولا أطفال ووقع نهب في كل مكان، فضلًا عن الإبادة الجماعية لسكان واحة الزعاطشة في 26 نوفمبر 1840م.
  • مذبحة الأغواط 1852، التي حدثت بعد استيلاء قوات الاحتلال الفرنسي على مدينة الأغواط في 1852، تعتبر من أبشع جرائم الاحتلال حيث قتل فيها 2300 فرد ما بين رجال ونساء وأطفال.
  • ارتكب الاحتلال الفرنسي جرائم إنسانية بحق سكان الريف في الجزائر، منها إبادة قبيلة العوفية 1832، مجزرة قبائل بني الصبيح 1844، إبادة قبيلة أولاد رياح 1845، مجزرة أولاد نايل 1849
  • ارتكبت فرنسا مذبحة بشعة (مذبحة 8 مايو) في حق الجزائريين راح ضحيتها حوالي 45 ألف، عندما نزل آلاف الجزائريين في 8 مايو 1945 إلى الشوارع للاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) والمطالبة بالاستقلال عن فرنسا، إلا أن الاحتفالات تحولت إلى أحداث دموية عندما فتحت القوات الفرنسية النار على المتظاهرين.
  • في 17 أكتوبر 1961، تظاهر عشرات الآلاف من الجزائريين في باريس ضد الاحتلال الفرنسي لبلدهم، فتحت الشرطة الفرنسية النار على المتظاهرين وقتلت حوالي 345، وعُرفت هذه الواقعة بمذبحة السين.
  • بحسب مسؤولين فرنسيين، أجرت السلطات الاستعمارية 17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية في الفترة بين 1960 و1966، لكن المؤرخين الجزائريين قدروا العدد بـ57.
  • تسببت التجارب النووية الفرنسية في وفاة حوالي 42 ألف جزائري وآلاف الجرحى بسبب الإشعاع النووي، إضافة إلى الأضرار الجسيمة ضد البيئة.
  • ارتكبت السلطات الفرنسية الاستعمارية انتهاكات وتعذيب ضد المدنيين الجزائريين حسب المؤرخين الجزائريين والضحايا.
  • كانت الصدمات الكهربائية واستخدام آبار المياه كسجون من بين الأساليب التي استخدمتها السلطات الاستعمارية ضد السجناء في الجزائر.
  • استشهد أكثر من 1.5 مليون جزائري خلال الكفاح من أجل الاستقلال عن الحكم الفرنسي، إلا أنه في عام 2017 قدرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهى منظمة غير حكومية، عدد ضحايا الحكم الاستعماري الفرنسي بأكثر من 10 ملايين.

نتائج الاحتلال الفرنسي للجزائر

الحملة الفرنسية على الجزائر أسفرت عن العديد من النتائج، وتتمثل هذه النتائج في:

  • النتائج السياسية

نجحت قوات الاحتلال الفرنسي في دخول الجزائر وإنزال رايات الدولة العثمانية، وأجبرت الداي حسين على التوقيع على معاهدة استسلام في 5 يوليو 1830 وتحويل الجزائر من أرض محتلة إلى أراضي مملوكة لفرنسا وتقسيمها إلى منطقة مفتوحة للاستيطان الأوروبيين وخاضعة للحكم العسكري، فضلًا عن الحصول على جميع أملاك الدولة ووضع سياسات جديدة تخدم مصالح فرنسا.

  • النتائج الاقتصادية

عملة الحملة الفرنسية على ربط اقتصاد الجزائر باقتصاد فرنسا، ومن أجل تحقيق ذلك فتحت الأسواق الجزائرية للمنتجات الفرنسية وصك نقود فرنسية بعد إلغاء الجزائرية العثمانية، وصادرت الأوقاف الإسلامية والكثير من الأملاك وجعلتها أملاك تابعة للدولة حتى تتمكن فرنسا من استغلالها كيفما تشاء، وأصدرت لذلك مرسوم 8 سبتمبر 31830

خرب الاحتلال ثروات البلاد ونهبها، أحرق الغابات والحقول والمزارع، وعمد على ردم الآبار والعيون، الأمر الذي أدى إلى انهيار اقتصاد البلاد نتيجة القضاء على الزرع وانتشار المجاعة وارتفاع الأسعار.

  • النتائج الاجتماعية

 قضى الاحتلال الفرنسي على البنية الاجتماعية للجزائر وأدى إلى تفكك المجتمع الجزائري، بل واختفت بعض الفئات الاجتماعية مثل (الكراغلة والأتراك)، فضلًا عن تشرد سكان المدن الساحلية.

  • النتائج الدينية

رغم أن معاهدة الاستسلام تضمنت بند ينص على احترام الدين الإسلامي وعدم المساس بالأماكن الدينية الإسلامية، إلا أن فرنسا لم تلتزم بذلك، فقد اعتدت قوات الاحتلال على المساجد وهدمت بعضها وحولت البعض إلى كنائس، وشيدت معابد يهودية وكنائس مسيحية على حساب المساجد، وعمل الاحتلال بشتى بطرق على تنصر الجزائريين.

  • النتائج الثقافية

حاربت الحملة الفرنسية على الجزائر اللغة العربية وعمدت على استخدام اللغة الفرنسية كبديل عنها، وبذلت قصارى جهدها لنشر الأمية بين الجزائريين بهدف تجهيله من ناحية وخلق فرنسة فئة من الشعب الجزائري من ناحية أخرى، لأن ذلك يرسخ ثقافة فرنسا ويدعم وجودها في الجزائر، ولم يكتف الاحتلال بذلك بل أحرق بعض المخطوطات والكتب والبعض الآخر نقله إلى باريس ومن بينها مخطوطة قسنطينة ومدينة الجزائر.

رغم السياسات القمعية والمذابح الوحشية التي أنتهجها الاحتلال الفرنسي لفرض السيطرة الكاملة على الجزائر، إلا أنها أدت إلى اندلاع ثورات عديدة استمرت طوال القرن التاسع عشر، وامتدت لمختلف أنحاء البلاد شرقًا وغربًا وجنوبًا وبرزت وتطورت تيارات الحركة الوطنية واندمجت مع بعضها، لأنها اجتمعت على نفس الهدف وهو نيل الاستقلال وتدويل القضية الجزائرية.

أسماء أبو بكر

عن كاتب المقال: صحفية مصرية حاصلة على كلية الإعلام من جامعة القاهرة، تهتم بشؤون الطلاب

ميكس ميديا