جنكيز خان.. الإمبراطور المغولي من الميلاد حتى الوفاة

في عام 1162، كان القائد المغولي «يسوجاي» مشغولاً بمعركة حامية الوطيس ضد إحدى القبائل التي أراد أن يسيطر عليها، فحقق نصراً كبيراً، وفور انتهائه من القتال، نسى كل شيء وتذكر زوجته «هولون» وما بلغه عنها من وضعها ولداً ذكراً وهو ما سمي بعد ذلك جنكيز خان، فانطلق إليها ليتطلع إلى وليده.

وهناك جلس طروباً يستمع إلى النسوة وهن يحدثنه حديث ولادة زوجته، وكان فيما يروينه له بعد أن ذكرن له شيئاً عما وجدت «هولون» من عُسر وألم، أن الوليد خرج من بطن أمه قابضاً بأصابعه على مُضغة من الدم.

وبحسب الدكتور ثروت عكاشة في كتابه «إعصار  من الشرق. جنكيز خان»، طرب «يسوجاي» لسلامة ׂ«هولون» وسلامة الوليد، لكنه طُرب أكثر للذي حدّثه به النسوة عن هذا الوليد، واطمأن له، وتنبأ له مع المتنبئين بحياة مليئة بالبطش والجبروت.

اسم الأسير

وكان «يسوجاي» مُعجباً بقوة وبطش أسيره «تيموجن» الذي أسره في المعركة الأخيرة، وكذلك بأخلاقه وبنيته القوية، فأطلق على وليده اسمه.

وكان للتسمية ظل من الحقيقة، فكلمة «تيموجن» عند المغول معناها القوي الصلد، ولعلها حين أُطلقت أولاً على ذلك الأسير لأنه لُحوظ فيه ذلك، ولعل «يسوجاي» حين أطلقها على ابنه كان متفائلاً له بذلك.

على كلٍ، نشأ الوليد «تيموجن» وترعرع بين عشيرته، يستمع إلى أحاديثهم عن الحرب والسلب، ويصغى إلى أقاصيصهم وخرافاتهم، فإذ هو صورة من القوم جرأة وبطشاً، بل إنه أصبح قائداً لهم وحمل لقب «جنكيز خان» وذلك على عادة أسلافه من قادة المغول الذين حملوا ألقاباً تعظيمية بعد توليهم الزعامة.

إمبراطورية جنكيز خان

وما بين لحظتي ميلاده ووفاته، خاض جنكيز خان معارك شتى استطاع خلالها بسط سيطرة قومه على مساحات شاسعة من الأراضي التابعة لمختلف القوميات والعرقيات، بعد أن أشاع الفزع في قلوب أعدائه بسبب همجية قواته في التنكيل بخصومهم، وفي طريقه قتل الملايين وأقام المجازر للمسلمين.

حياة جنكير خان

وبعد مشوار طويل من القتال، بدأ الوهن يدب في جسد هذا المغولي الهِرم، فقد جعدت السنون وجهه الغليظ، وانحطت قواه وفقد حيويته وأخذت جراحاته القديمة تلح عليه وتنغص عليه راحته، وأدرك أنه ميت، وأن منيته قد قربت، فأرسل رسله يدعون إليه كبار ضباطه لحضور مؤتمر كبير على ضفاف نهر «سيحون».

واجتمع إليه قواده من الشرق والغرب بعد أن قطعوا مسافات طويلة ورحلات شاقة. فجاء إليه ابنه «تولي» من خراسان يجر وراءه قوافل ممتدة من الجمال البيضاء، بينما انحدر إليه «شاطا جاي» من قمم الجبال الثلجية يسوق أمامه ألف جواد، ومن هضبة «تيان شان» حضر إليه زعيم الأيجور أعز حليف للخان، كما وفد إليه زعماء «القرغيز» (يسكنون في وسط آسيا) وشيوخ «التركمان».    

اجتمع الخان في سرادق أبيض وسع ألفاً من الرجال، وقدّم القادة والأمراء الهدايا من مختلف الأنواع إليه. وأخذ الخان يقص عليهم أخبار حروبه ومعاركه التي خاضها، عازياً النصر الذي أحرزه إلى التمسك بشريعة «الياسة» وهو القانون الذي كان ينظم حياة المغول، ومن ثم نصحهم بالتزام نصوصها، ثم التفت إلى أبنائه ناصحاً يقول لهم: «لا تجعلوا للخلاف بينكم سبيلاً».

لحظة الرحيل

ولم يكن جنكيز خان في تلك السن قد هدأ على الرغم من كبره، فخرج لغزو بلاد «صون» جنوب الصين، وفي طريقه بلغه نبأ وفاة ابنه «جوشي» فاهتم وحزن، لكنه كتم ذلك.

وبينما هو كذلك، تعب وأرسل يطلب ابنه «تولي»، وحضر الابن ليلقى الأب، فإذا الأب راقد قرب الموقد متدثراً بالفراء، وكأن الخان قد أحس الموت فالتفت إلى ابنه يخاطبه: «إني لأرى منيتي قد حانت، وسأترككم عما قريب». ثم استدعى الخان إليه كبار ضباطه وأخذ يملي عليهم ويشير، وبينما هو يفعل ذلك لفظ أنفاسه الأخيرة دون جزع أو تأوه.

ومات الخان عام 1227 بعد أن خلف لأبنائه إمبراطورية واسعة ممتدة وجيشاً كبيراً مُعداً.

وبينما يعزو المؤرخ ماركو بولو موت جنكيز خان إلى سهم أصابه في ركبته أثناء حصاره لإحدى القلاع في إقليم «صون»، يغفل المؤرخون هذ الأمر ويقولون إن موته كان إثر مرض اضطره إلى لزوم فراشه، وكان الطقس قاسياً فعجّل بموته.

عادات الدفن عند المغول

وكان عادة المغول أن يدفنوا خاناتهم في سفح جبل شاهق يسمونه جبل «الطاي» مهما كانت الشقة بينهم وبينه ولو استغرق ذلك مائة يوم سيراً على الأقدام. وكان من معتقداتهم أن كل من يقتلوه وهم يحملون رفات الخان إلى مقره الأخير يصبح خادماً للراحل في حياته الأخرى، يستوي في ذلك الرجال والحيوان. ولا ندري كم قتل المغول من رجال وحيوان في طريقهم لدفن الخان.

أياً كان الأمر، حُفر القبر ووضع الخان فيه، ويقولون إنهم وكلوا إلى قبيلة برمتها العناية بالقبر وإطلاق البخور الذي انتشر دخانه في المناطق المحيطة، ثم انتشر منها في الغابات المجاورة فغطى على ذلك كله وكاد يخفي القبر.

وبعد عامين من موت الخان، اجتمع مجلس الأمراء لاختيار خليفته من بين أبنائه الأربعة، ووقتها ثار بينهم نزاع كبير حول أحقية كل منهم في حكم هذه الإمبراطورية مترامية الأطراف، لكن مجلس الأمراء الذي انعقد حسم النزاع باختيار «اوجتاي» خليفة استناداً إلى وصية الخان.

المصدر

  • كتاب «إعصار  من الشرق. جنكيز خان». الدكتور ثروت عكاشة.

محمد أحمد

صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية

ميكس ميديا