بحث بعنوان ارتقاء الإنسان بين التأمل والإيثار

يحث الدين الحنيف المسلمين جميعًا على التأمل في خلق الله سبحانه وتعالى، كما يحثهم أيضًا على التحلي بالصفات والأخلاق الحميدة، ومن بينها الإيثار الذي يعود بالنفع عل الفرد والمجتمع ككل، ونُعد بحث بعنوان ارتقاء الإنسان بين التأمل والإيثار بهدف توضيح معنى التأمل والإيثار ومظاهرهما وفوائدهما.

معنى التأمل

المقصود بالتأمل هنا هو تدقيق النظر في الكائنات وجميع مخلوقات الله سبحانه وتعالى من أجل استشعار عظمة الخالق وتذكر نعمه الكثيرة التي منحها لعباده، ويكون في التأمل استعمال للفكر أيضًا، أي أن معنى التأمل قريب من التفكر.

التأمل والتفكر في الإسلام

وردت آيات قرآنية كثيرة تحث المسلمين على التأمل والتفكر في كل شئ، سواء في الآيات أو المخلوقات أو في أنفسهم أو في عذاب وعقاب الله أو في رحمته وجنته، ومن هذه الآيات:

  • (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ولتذكر أولو الألباب) (سورة ص، الآية 29)
  • (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (سورة محمد، الآية 24)
  • (كذلك يُبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (سورة البقرة، 219)
  • (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (سورة الرعد، الآية 3)

أنواع ومجالات التأمل

الإسلام يحثنا على التأمل والتفكر في كل شئ إلا في ذات الله سبحانه وتعالى وكيفية صفاته، عن ابن عمر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله عز وجل)، والتأمل له مجالات كثيرة هى:

  • التفكر في النفس

يجب على العبد أن يتفكر في كيفية خلق الله (سبحانه وتعالى) للإنسان وكيف شكًله ومنحه نعم كثيرة كالسمع والبصر؟، والتفكر في النفس يشمل أيضًا النظر إلى عيوبها للتخلص منها وتقويمها، وكذلك التفكر في أحوال الزوجة والأسرة والأولاد.

  • السماوات والأرض ومخلوقات الكون

يمتلىء الكون بالعديد من العجائب والغرائب التي تدل على عظمة الخالق وحكمته العظيمة وقدرته، وعلى العبد أن يتأمل وينظر إلى كل هذه المخلوقات الموجودة في الكون ليستشعر هذه العظمة والحكمة وليستدل بها على المقصود منها وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقها عبثًا، وحينها يتذكر قوله تعالى: (ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك) (آل عمران، 91)

  • نعم الله

يجب على المسلم أن يتفكر في النعم التي منحها الله عز وجل له دون حول ولا قوة منه، كالوظيفة التي يعمل فيها، أو الزوجة الصالحة التي دله الله عليها، أو الأولاد الذين رزقهم به، وغيرها الكثير والكثير.

  • الدنيا والآخرة

على المسلم أن يتفكر الدنيا وأنها ستزول وتفنى وأن الآخرة هى التي ستبقى، وذلك إعمالًا بقوله تعالى: (لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة) (البقرة، 219، 220)

فوائد التأمل والتفكر

العبد الذي يتأمل ويتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى ويتدبر آياته يجني ثمار عظيمة في الدنيا والآخرة، حيث تتمثل فوائد التأمل في:

  • الاجتهاد في العبادة

التأمل يجعل الإنسان يجتهد أكثر في عبادته ليزداد قربه من الله، لأنه إذا تفكر في الآخرة ونعيمها وبقائها وفي الدنيا وزوالها وفنائها زاد ذلك من حماسه في أداء العبادات والزيادة فيها.

  • استشعار عظمة الله والخوف منه

التفكر في عظمة الله عز وجل يجعل الإنسان يخشى منه وينتهي عن معصيته، وقد قال بشر بن الحارث (رحمه الله): (لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله)

  • محبة الله

التفكر في نعم الله سبحانه وتعالى تزيد من محبة العبد لربه، لأن النفس البشرية تميل بفطرتها إلى من أحسن إليها، وإذا أحب العبد ربه تقرب منه وأمتثل لأوامره وامتنع عن معصيته، وهذا يُزيد من منزلته عند ربه.

  • زيادة الإيمان

التفكر في الكون وفي مخلوقات الله يُرسخ في قلب العبد معاني كثيرة حول قدرة الله وعظمته وحكمته وقوته، وكل ذلك يُزيد من الإيمان.

  • إصلاح النفس

التأمل يشمل التفكر في النفس وعيوبها ومميزاته، وبالتالي سيسعى الإنسان إلى إصلاح عيوبه وتطوير مميزاته، وقد يستشعر الإنسان تقصيره في حق الله ويعزم على الاجتهاد للتقرب منه أكثر، وهذا يُغير حال القلب ويُصلح حال الشخص.

  • زيادة العلم والمعرفة

ربما يصل الإنسان إلى اكتشافات جديدة عن طريق التأمل والتفكر فيما حوله في الكون من نباتات وكائنات حية ومخلوقات غريبة وغيره، وقد يقوده ذلك في النهاية إلى اختراعات جديدة أو معارف وعلوم حديثة.

معنى الإيثار ومظاهره

الإيثار من الأخلاق الطيبة الحميدة التي يجب أن يتمتع بها كل مسلم، ومعنى الإيثار أن يعطي المسلم الأولوية لحاجة أخيه على نفسه، رغبة في الحصول على الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.

يمكن تعريف الإيثار أيضًا على أنه تفضيل الغير على النفس، وهو عكس الاستئثار الذي يعني تحكم الإنسان في الشئ وتفرده به دون غيره.

مظاهر الإيثار متعددة، فقد يكون بالمال أو الطعام أو الشراب أو بالنفس، وهو أعلى درجات الإيثار، ولكن لا يوجد إيثار في أعمال الخير والبر أو العبادات، بل يكون الفضل لمن يُسارع في فعلها.

فوائد الإيثار

الإيثار يُزيد الإيمان ويجعل الإنسان يتحلى بالأخلاق الطيبة، ولا تقتصر فوائده على الفرد فقط بل تشمل المجتمع ككل، نُشير إلى بعض فوائده فيما يلي:

  • ترابط المجتمع وزيادة قوته، لأنه يزيد الألفة والمحبة بين الناس، ويجعل أبناء المجتمع جسدًا واحدًا، يشعر كل منهم بحاجة غيره ويسارع في قضائها.
  • وقاية من الصفات الذميمة والسيئة كالبخل والشُح.
  • تقرب إلى الله تعالى وكسب رضاه، فتفضيل رضا الله عز وجل على رضا الناس حتى إن كان في رضاهم مصلحة أو فائدة يحصل عليها العبد، يعتبر درجة أو شكل من أشكال الإيثار.

الإيثار في القرآن والسنة

وردت آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة حول الإيثار لحث المسلمين على التحلي به، نوضح بعضها فيما يلي:

  • قال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (سورة الحشر، الآية 9)
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربع)
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدًق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم)
  • عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)

حال السلف مع الإيثار

أفعال ومواقف كثيرة للسلف الصالح تنم على تحليهم بالإيثار في أسمى معانيه، ويمكن أن نستهلم من تلك الأفعال الكثير من الصفات والأخلاق الحميدة التي يجب على المسلم التحلي بها، نوضح بعضها فيما يلي:

  • إيثار حتى الموت

في معركة اليرموك، أصيب الحارث بن هشام، عكرمة بن أبي جهل، عياش بن أبي ربيعة، بجروح شديدة، وكانوا الثلاثة يرقدون في الخيمة، طلب الحارث ماء ليشرب، فأحضره له رجل، وكان الماء قليلًا، وقربه من فم الحارث ليشرب، إلا أنه لاحظ أن عكرمة ينظر للماء فعرف أنه يريد أن يشرب فطلب من الرجل أن يعطيه له.

لما ذهب الرجل بالماء إلى عكرمة كان بجواره عياش، فطلب منه أن يُعطيه له، فلما وصل الرجل إلى عياش وجده قد مات، فرجع بالماء مرة أخرى إلى عكرمة فوجده قد مات، فعاد به إلى الحارث فوجده قد مات أيضًا.

  • إيثار بالنفس

عندما تآمر قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يتردد على بن أبي طالب في المواقفة على طلب النبي (ص) بالنوم في فراشه، رغم أنه يعلم أن المشركين قد يقتلوه ظنًا منهم أنه النبي أو إذا علموا أنه نام مكانه ليخدعهم.

المصدر

أسماء أبو بكر

عن كاتب المقال: صحفية مصرية حاصلة على كلية الإعلام من جامعة القاهرة، تهتم بشؤون الطلاب

ميكس ميديا