لماذا سمي هارون الرشيد بالرشيد وما أهم صفاته


قصة حياة هارون الرشيد

هارون الرشيد هو هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، وهو خامس خلفاء الدولة العباسية ويعتبر أشهرهم، له الكثير من الإنجازات وهناك بعض الشُبهات التي لحقت به والكثير من الجدل الذي دار حول شخصيته، فما هى قصة هارون الرشيد؟ وما هى صفاته وإنجازاته؟ تعرف على ذلك وأكثر فيما يلي.

مولده ونشأته

ولد هارون الرشيد في مدينة تسمى الري عام 145 هجرية، وذلك عندما كان والده أميرًا على الري وعلى خراسان، وفي وقت خلافة جده أبي جعفر المنصور، وهو الابن الثالث بعد موسى وعلي. أمه هى الخيزران بنت عطاء، كانت يمانية جُرشية (إحدى مدن اليمن)

كان الرشيد يحب مجالسة العلماء ورجال الدين والفقهاء، وتتلمذ على يد عدد من كبار العلماء، هم: المفضل الضبي، حمزة الزيات، الكسائي، وسافر لطلب العلم من الإمام مالك بن أنس، وخصص ليلة للفقهاء والعلماء ليناقشوا الأمور الفقهية معًا، وكان محبًا للشعر والشعراء ويتقرب منهم ويستمع إليهم.

لماذا سمي هارون الرشيد بالرشيد؟

هارون الرشيد هو هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي، وكان يُكنى بأبي موسى وبعد ذلك كان يُكنى بأبي جعفر، ووالده المهدي بن المنصور هو الذي منحه لقب الرشيد بعدما حقق انتصارًا كبيرًا في غزو الروم وهو لا يزال في سن عشرين عام، وأعطاه البيعة بعد أخيه الأكبر موسى الهادي ليكون هو ولي العهد الثاني، وحينما بويع بالخلافة في عام 170 كان عمره وقتها لم يتجاوز 24 سنة.

صفات هارون الرشيد

كان هارون الرشيد شجاعًا قويًا فقد قاد الحملات والغزوات وحقق فيها انتصارات كبيرة وعمره لم يتجاوز العشرين عام، وكان ورعًا وتقيًا يخاف الله حتى أنه كان يصلي مائة ركعة في اليوم ويكثر من الحج، حتى أنه حج تسع مرات على مدار 23 سنة تولى فيها خلافة المسلمين، ويُقال أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا.

أما عن صفاته الجسدية، فقد كان طويل القامة، أبيض البشرة، سمين الجسم، وسيم الشكل، أما عن عن صفاته الخلقية فكان شجاعًا كريمًا تقيًا ورعًا متواضعًا، يحب العلم ويُجالس الصالحين.

الجدل حول شخصية هارون الرشيد

هناك تناقض كبير فيما كُتب عن هارون الرشيد وأخلاقه، فمثلَا رسمت له صورة الخليفة التقي الورع الرصين في العديد من الكتب مثل: كتاب البداية والنهاية لابن كثير، العقد الفريد لابن عبد ربه، تاريخ الخلفاء للسيوطي، مروج الذهب للمسعودي، في حين أن كتب أخرى مثل كتاب ألف ليلة وليلة، وكتاب الأغاني للأصفهاني شوهته وصورته أنه مدمن خمر وزير نساء.

توليه الخلافة

أعلن المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي عام 159 هجرية وهو أكبر أبنائه، وحاولت الخيزران والدة هارون الرشيد أن تقنع زوجها بإعلان ولاية العهد الثانية لابنها هارون ونجحت في ذلك بالفعل، وسعت بعدها إلى إقناعه بأن يجعل ولاية هارون قبل موسى إلا أنها لم تنجح في ذلك لأن المهدي توفى في عام 169 هجرية.

حاول المحيطون بموسى إقناعه بأن يجعل الخلافة لولده جعفر بدلًا من أخيه هارون، حتى ساءت العلاقة بين موسى وهارون الرشيد، وبالفعل أدخل موسى هارون ويحيى البرمكي السجن، إلا أن هارون الرشيد خرج من السجن بعد وفاة موسى وبويع بالخلافة في يوم الجمعة الليلة التي مات فيها أخوه موسى في عام 170، وكان عمره وقتها 22 عامًا وقيل 21 عامًا.

إنجازات هارون الرشيد

حقق هارون الرشيد الكثير من الانتصارات في المعارك والغزوات التي خاضها، ونستعرض عددًا من إنجازاته السياسية والثقافية والاقتصادية فيما يلي:

  • حقق انتصارًا كبيرًا عندما غزا الروم ونجح في فرض الجزية عليهم في عهد والده المهدي، ووصل إلى حدود القسطنطينية ولم يرجع إلا بعدما وافقت الإمبراطورة إيريني على دفع الجزية وطلبت الهدنة.

 إلا أن نقفور الذي تولى بعدها رفض دفع الجزية للمسلمين وأرسل رسالة لهارون يخبره فيها أنه سيمتنع عن دفع الجزية ويهدده فيها بالحرب إذا لم يرد له الأموال التي حصل عليها من إيريني، فكتب له الرشيد على ظهر رسالته: "من هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك والجواب ما تراه لا ما تسمعه"، ثم خرج الرشيد لقتال نقفور على الفور واستولى على هرقلية ثم اقترب من عاصمته، فاضطر نفقور إلى الخضوع ودفع الجزية.

  • قضى هارون الرشيد على ثورة الخوارج الذين تمردوا على الخلافة، وثورة الديلم التي كان يتزعمها يحيى بن عبد الله العلوي، وثورة خراسان حيث عزل وليها (ابن ماهان) بعدما ظلم ونهب أموال الناس.

  • نجح في إخماد النزاع الذي أشعله العباسيون بين القيسية واليمانية، لأن الرشيد كان يرى أنه من الحكمة أن يقوي أهل الشام بدلًا من أن يُضعفهم، حتى لا يتمكن الروم من مواجهة أطراف الشام.

  • قضى على ثورة الأدارسة في مراكش، وهزم البرامكة في عام 187 هجرية بعدما اعتمد عليهم لمدة 17 عام.

  • حرص على توطيد علاقته مع ملك الفرنجة الذي كان يُدعى (شارلمان) وتبادلا الهدايا معًا.

  • اهتم بالشؤون الاقتصادية للبلاد بشكل كبير، فحاول شق ترعة تصل بين البحرين الأبيض والأحمر، إلا أنه تراجع عن مشروعه حتى لا يستغلها الروم في الوصول إلى الأراضي المقدسة.

  • اهتم بالزراعة والعمران، فبنى السدود والقناطر وشق السواقي، كما بنى المدارس والمستشفيات والمكتبات والمساجد.

  • اهتم بالصناعة، مثل صناعة الورق فأقام أول مصنع للورق في بغداد، وكذلك صناعة الزجاج فأقام واحدًا من أكبر مصانع الزجاج في العصور القديمة.

  • اهتم بمدينة الرقة بشكل كبير، فبنى فيها قصرًا فخمًا ومسجدًا ومركزًا لتجهيز الجيوش وسجنًا، كما أن مصنع الزجاج أقامه فيها.

  • تميز عصره بالنشاط الثقافي الكبير، حتى برز في عهده كبار العلماء مثل: الإمام مالك بن أنس، الإمام الشافعي، أبي يوسف القاضي، الكيميائي جابر بن حيان، عالم الفلك والرياضيات الخوارزمي، اللغوي الأصمعي، عالم القراءات والنحو الكسائي، النحوي سيبويه.

أبناء هارون الرشيد الأمين والمأمون

تزوج هارون الرشيد من ابنة عمه زبيدة أم جعفر بنت جعفر بن المنصور وذلك في عام 165 م، وأنجب منها ابنه الأمين في 16 شوال عام 170، وتزوج العباسة ابنة عمه سليمان بن أبي جعفر المنصور في 187، وكان له عدة جوار أنجب عدة أولاد منهم، ومن بينهم المأمون وهو أكبر أبناء هارون الرشيد، وهو أكبر من الأمين بسبعة أشهر فقط، وأمه كانت تسمى مراجل.

نعرض نبذة عن أبناء هارون الرشيد فيما يلي:

  • الأمين (193 - 198 هجرية)

بايعه الرشيد بولاية العهد وهو لا يزال في سن 5 سنوات، ورغم أنه تعرض لنقد بسبب المبايعة لطفل صغير، إلا أن الذي دفعه لذلك الضغط الذي تعرض له من زوجته زبيدة، وكانت السرعة في هذه المبايعة ترجع أيضًا إلى الخوف من بنزول حادث مفاجئ بالرشيد أو منازعة أخيه الأكبر على ولاية العهد.

كان الأمين سمينًا وأبيض اللون، فصيحًا، صغير العينين، أقنى الأنف، كان محبًا للشعر ويقوله، ودرس على يد الكسائي وقرأ عليه القرآن، وكان يميل إلى اللهو بالصيد وإنفاق الكثير من الأموال، وكان يُكنى بأبي عبد الله وأبي موسى.

توفى الرشيد في الثاني من جماد الآخر في طوس وهو في طريقه إلى خراسان، ووصل الخبر إلى الأمين يوم الخميس منتصف جمادي الآخر، وكتم الخبر حتى اليوم التالي فنعى الرشيد للناس يوم الجمعة وأخذ منهم البيعة في عام 193 هجرية.

  • المأمون عبد الله بن هارون (198 - 218 هجرية)

ولد في منتصف ربيع الأول عام 170 في اليوم الذي توفى فيه عمه موسى الهادي، وبويع فيه أبوه الرشيد، ورغم أنه أكبر من أخيه الأمين بسبعة أشهر إلا أنه بويع له بولاية العهد بعده عام 182 وبويع له بالخلافة في 25 محرم عام 198 قبل مقتل أخيه الأمين بحوالي عشرة أيام تقريبًا. كان المأمون لونه أبيض ووسيمًا وطويل اللحية وضيق الجبهة، وتوفي في عام 218 هجرية في وقت فتح المسلمون لجزيرة صقلية.

كان لهارون الرشيد اثنين آخرين من الأبناء، هما: المعتصم وأمه تسمى ماردة، القاسم المؤتمن وأمه تسمى قصف.

اقرأ المزيد:

قصة النبي دانيال

هارون الرشيد والبرامكة

عندما بويع هارون الرشيد بالخلافة في 15 ربيع الأول أخرج يحيى بن خالد البرمكي من السجن، بعدما سجنه الهادي لميله إلى الرشيد، وبعدما أخرجه من السجن نصبه الرشيد وزيرًا.

كان للبرامكة نفوذًا كبيرًا في الدولة أيام هارون الرشيد، خاصة أن يحيى بن خالد كان مربيًا للرشيد حتى كان يناديه أبي، وكان أولاد يحيى أصدقائه، هم: جعفر، الفضل، موسى، محمد.

زاد نفوذ البرامكة وأسرة يحيى بن خالد كثيرًا في عهد هارون الرشيد، فقد خدموا الدولة من جهة، فكان محمد بن خالد حاجب الرشيد، يحيى بن خالد مربيه، جعفر بن يحيى والي مصر، والفضل بن يحيى والي خراسان، ومن ناحية أخرى قادوا الجيوش وأخمدوا الثورات والفتن.

الفضل بن يحيى هو الذي قاتل يحيى بن عبد الله بن الحسن عندما ثار في بلاد الديلم عام 176، وسار مع الجيش إلى بلاد الترك ودخل كابل وغزا بلاد ما وراء النهر.

خدم البرامكة الدولة في عهد هارون الرشيد لكنهم خدموا أنفسهم أيضًا، فكانوا يمتلكون السلطة والنفوذ، وأهل المشورة والرأي والمقدمين في كل أمر، وكانوا يجالسون الخليفة ويدخلون عليه دون إذن، لم يتغير مركزهم حتى عندما كان الرشيد يعزل بعضهم ويستبدله بأخر، فقد عزل جعفر عن مصر عام 176، وعزل محمد بن خالد عن الحجابة ومنحها للفضل بن الربيع في 179.

تبدلت أحوال البرامكة وتغير عليهم الرشيد فجأة فقتل جعفر بن يحيى، وسجن يحيى وابنه الفضل وصادر أملاكهم وأموالهم، واختلف المؤرخون في سبب غضب هارون الرشيد وانقلابه على البرامكة، وهذه الأسباب هى:

  • زيادة نفوذ البرامكة إلى حد كبير لدرجة أخافت الرشيد نفسه، وكانوا يغالون في الإنفاق والمصروفات حتى فاقوا وسبقوا الخليفة نفسه، ولم يهتموا به وأصبحوا يدخلون عليه دون إذن، الأمر الذي أثار حقد العامة وانتقادهم، الأمر الذي أخاف الرشيد من نفوذ البرامكة ونقمة العامة عليه.

  • إقدام جعفر البرمكي على الزواج سرًا بشقيقة هارون الرشيد (العباسة/ ميمونة)

  • خوف الرشيد من زيادة نفوذ الفرس بعد أن كان العرب قد أخمدوهم.

  • قيام جعفر البرمكي بإطلاق سراح يحيى بن عبد الله العلوي الذي ثار ضد الدولة، وذلك دون علم هارون الرشيد، لذلك صلبه الرشيد على أحد الأبواب ليكون عبرة، كما أمر باعتقال والده يحيى، وشقيقيه الفضل وموسى، أما محمد فظل طليقًا.

وفاة هارون الرشيد

في عام 192 نزل هارون الرشيد في البلدة التي تسمى (سناباذ)، وبقى فيها عندما اشتد عليه المرض حتى توفى في جمادي الأول سنة 193، عن عمر يُناهز 47 عامًا، وبعد وفاته كتب أبو الشيص شعرًا يقول فيه:  غربت بالمشرق الشمس  فقل للعين تدمع

                         ما رأينا قط شمسًا       غربت من حيث تطلع

المصدر

أسماء أبو بكر

عن كاتب المقال: صحفية مصرية حاصلة على كلية الإعلام من جامعة القاهرة، تهتم بشؤون الطلاب

ميكس ميديا