بحث عن الدين والمعاملة

الدين الإسلامي رسم للإنسان الإطار المنظم لحياته ومعاملاته المختلفة، والتزام المسلم بالمبادئ التي وضعها الدين الحنيف يحقق له السعادة في الدنيا والأخرة، ونعد بحث عن الدين المعاملة بهدف توضيح بعض من هذه المبادئ مع بيًان وسطية الإسلام في المعاملة ونبذه للغلو والتطرف.

مفهوم العلاقات الإنسانية

يمكن في البداية توضيح مفهوم العلاقات الإنسانية لأنها جزء لا يتجزأ من الموضوع الذي يتناوله البحث، وهو المعاملة، ومن هذه المفاهيم:

  • هى أساليب التعامل بين الناس وتفاعلهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو التعليمي أو غيره.
  • الروابط الموجودة بين الناس أفرادًا وجماعات، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع ككل أو حتى على مستوى التواصل الإنساني عمومًا في كافة الجوانب والمجالات.

اهتم الدين الإسلامي بهذه العلاقات الإنسانية اهتمامًا كبيرًا، سواء على المستوى الإنساني بشكل عام أو على مستوى الحياة الزوجية مثلًا، فبيًن للمسلم الأسس المفترض أن تقوم عليها العلاقة بين الزوجين، كما أوضح كيفية التعامل مع الأقارب والجيران وغير المسلمين وغيره الكثير، وجميع الأحكام التي وضعها الدين الحنيف ليُنظم بها هذه العلاقات الإنسانية المختلفة تقوم على مبدأ أساسي هو حسن المعاملة.

وسطية الإسلام في المعاملة

القرآن الكريم والسنة النبوية يزخران بالعديد من الآيات القرآنية التي تحث على حسن المعاملة وتحذر من الغلو والجفاء، ونوضح بعض الآيات والأحاديث التي تدل على وسطية الإسلام في المعاملة فيما يلي:

  • نبذ الكبر

معاملة الناس بتكبر من الأمور التي نهى عنها الدين الإسلامي، حيث حث كل مسلم على التواضع للناس، فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (ولا تمش في الأرض مرحًا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا) (الإسراء، 37)

قال تعالى: (ولا تُصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور) (لقمان، 18)، فالآية الكريمة تنهي عن التكبر واحتقار الناس أو الإعراض عنهم إذا تحدثوا إلينا.

  • الوفاء بالعهود والمواثيق

أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالوفاء بالعهود والمواثيق حتى مع المشركين، وهذا يُظهر وسطية الإسلام في المعاملة أيضًا فلم يفرق هنا بين مسلم ومُشرك، بل ساوى بين الجميع، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (المائدة، الآية 1)

كما قال تعالى في كتابه العزيز: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم) (التوبة، الآية 4)

  • حسن التعامل مع غير المسلمين

حثنا الدين الحنيف على معاملة غير المسلمين معاملة حسنة ونهى عن إساءة معاملتهم أو أكل حقوقهم أو سبهم، قد قال تعالى في كتابه العزيز: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة، 8)

  • الحث على عدم العبوث

طلاقة الوجه تعتبر وسيلة مؤثرة في التقرب للناس وكسب محبتهم، وقد نهى القرآن الكريم عن العبوس في وجه الشخص أثناء التحدث معه، كما حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على طلاقة الوجه عند رؤية الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلق أخاك بوجه طلق)، وقال عليه الصلاة والسلام: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)

فضل صلة الأرحام

صلة الأرحام تنمي بلا شك الصلات الإنسانية وتزيد من الترابط والمحبة بين الناس، وهى أمور تعبدية يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ويُثاب عليها، والحرص عليها يعتبر صورة من صور حسن المعاملة بين الناس، ولذلك فهى لها فضل عظيم في الإسلام، نوضحه فيما يلي:

  • تزيد الرزق

صلة الرحم تزيد رزق من يحرص عليها وتوخر آجله، والدليل على ذلك ما ورد عن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه)

  • النجاة من النار ودخول الجنة

قال تعالى في كتابه العزيز: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) (الرعد، 21)، ثم قال تعالى: (...أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها...) (الرعد، 22، 23)

عندما سأل أعرابي الرسول (ص) عن ما يقربه من الجنة، قال صلى الله عليم وسلم: (تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصل الرحم)

  • أفضل صدقة

عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح)، معنى الحديث الشريف أن أفضل صدقة هى ما يتصدق به الشخص لأحد أقاربه الذي يعاديه لكنه يخفي تلك العداوة.

  • من أفضل الطاعات

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني بفواصل الأعمال؟: قال: "يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك".

أهمية أدب المعاملة وفوائده

حسن التعامل مع الناس والالتزام بأدب المعاملة الذي يوصينا به الدين الإسلامي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، فهو يؤلف بين القلوب ويسهم في حل المشكلات الاجتماعية، ونبيًن ذلك فيما يلي:

  • توحيد الصف

 القرآن الكريم يوجه المؤمنين إلى ضرورة الالتزام بأدب المعاملة فيما بينهم، لأنه بسبب كلمة يمكن أن يتفرق الشمل وتحل العداوة، والكلمة الطيبة تؤلف القلوب فتحل المودة وتزول الكراهية، وبالتالي يتوحد صف المسلمين، قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا) (الإسراء، 53)

يؤكد القرآن الكريم أن أدب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع الآخرين كان سببًا في تجميع المسلمين وتوحيد صفوفهم، فقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (آل عمران، 159)

  • حل المشكلات الاجتماعية

أدب التعامل مع الآخرين ورد الإساءة بالحسنة يزيل الكثير من الأحقاد والكراهية ويُصفي القلوب، وبالتالي يجعلنا نتجاوز مشكلات اجتماعية كثيرة، التي تحدث في أحيان كثيرة بسبب الرد السيئ وردود الأفعال المندفعة. الالتزام بأدب المعاملة الذي أقره القرآن كافيًا لتجنب هذه المشكلات، فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (فصلت، 34)

أما على مستوى الأسرة فقد بين القرآن الكريم أن الوعظ بالكلمة هو الخطوة الأولى للتعامل مع المشكلة القائمة، قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) (النساء، 34)

كما أن القرآن يحث على العشرة بالمعروف حتى مع الكراهية، قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) (النساء، 19)

المصدر

أسماء أبو بكر

عن كاتب المقال: صحفية مصرية حاصلة على كلية الإعلام من جامعة القاهرة، تهتم بشؤون الطلاب

ميكس ميديا